إنه بعد أن جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته وكثر عدد المسلمين ازداد حنق المشركين على المسلمين ، وبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير قادر على حمايتهم فأذن لهم في الهجرة إلى الحبشة ، فقال لهم ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه ) وقبل المسلمون العرض الكريم فخرجوا من مكة فرارا بدينهم يريدون بلاد النجاشي وذلك في شهر رجب سنة خمس من البعثة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة والجهر بها ، فوصلوها وكانوا قرابة عشرة رجال منهم عثمان بن عفاف وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو حذيفة بن عنبسة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام فأقاموا بالحبشة شهري شعبان ورمضان من سنة خمش من البعثة ، وعادوا إلة مكة في شوال ،وسبب عودتهم ما بلغهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطلح مع قريش ، وأنه لم يبق اضطهاد للمسلمين من قبل المشركين لما تم من الصلح بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم .

 وسبب هذه الشائعة الكاذبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة سورة والنجم ، ألقى الشيطان في مسامع المشركين قوله : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى للمشركين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قالها ، وأنه بذلك قد امتدحها فلما سجد صلى الله عليه وسلم في آخر السورة وهي سجدة من عزائم السجدات سجد المشركون معه حتى أن الوليد بن المغيرة وكان كبير السن أخذ كفا من البطحاء وسجد عليه ، ثم تفرق الناس ، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن سجود المشركين كان من أجل ما ألقى الشيطان في مسامعهم من مدح للات والعزى موهما إياهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي امتدحها فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلمه الخبر .

 ولما قارب المهاجرون دخول مكة تبين لهم أن إسلام أهل مكة باطل ، وأن المشركين ما زالوا على الشرك والكفر ، وأنهم قد ازدادوا قسوة وشدة على المسلمين فلم يدخلوا إلا بجوار ، أو في استخفاء ، وأقاموا بمكة بعد عودتهم إليها يتلقون الأذى ويعذبون ويضطهدون كما كانوا من قبل هجرتهم وعودتهم فرأوا لذلك أن يعودوا إلى الحبشة مرة ثانية فعادوا وهاجر معهم خلق كثير بلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلا وهي الهجرة الثانية .

 وبقي الحبيب صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو إلى ربه سرا وجهرا صابرا موقنا بنصر الله له ولدعوته وهو يتعرض لأذى قريش كل يوم ، ومن أبرز ما سجل في هذه الفترة من أذى نال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث به عمرو بن العاص رضي الله عنه ورواه عنه ابن الأثير وغير من أصحاب السير وهو قوله : حضرت قريش يوما بالحجر فذكروا النبي صلى الله عليه وسلم وما نال منهم وصبرهم عليه ، فبينما هم كذلك إذ طلع النبي صلى الله عليه وسلم ومشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ، ثم الثالثة فقال لهم : ( أتسمعون يا معشر قريش ، والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ) ، فلم يتكلموا حتى لكأن على رؤوسهم الطير ، وإن أشدهم وصاة فيه ليرفئه بأحسن ما يجد ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر ، وقال بعضهم لبعض ، ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه .

 فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا وثبة رجل واحد يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ، فيقول : ( أنا الذي أقول كذلك ) فأخذ عقبة بن أبي معيط بردائه ، وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، كالتي قالها مؤمن أل فرعون ثم انصرفوا بعدما نالوا من الصديق ما نالوا رفسا بأرجلهم وضربا بأيديهم .
 لما علمت قريش باستقرار المهاجرين بالحبشة ، وإيواء ملكها لهم ، وإكرامه لهم خافت عواقب ذلك ، فكونت وفدا من عمرو بن العاص السياسي المشهور وعبدالله بن أبي أمية ، وحملتهما هدية فاخرة إلى الملك النجاشي وإلى أعيان رجاله لتستميلهم نفسيا ، فيردوا المهاجرين قسرا إلى مكة لتعذيبهم وتعويقهم عن أية حركة إيجابية تنتصر بها دعوة الإسلام .
 ووصل الوفد يحمل الهدايا وقدمها فعلا إلى النجاشي وأعيان رجال الحكم ، إلا أن الوفد بدأ في تقديم الهدايا لأعيان رجال النجاشي وأخره هو ، سياسة منه ليحصل على دعم الأعيان عند مطالبة الملك برد المهاجرين إلى مكة .

 ولما فرغ الوفد من تقديم الهدايا تلكم عمرو وقال للملك ورجاله : إن ناسا من سفهائنا فارقوا دينهم وجاؤوا بدين جديد مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وما إن فرغ عمرو من كلامه حتى أشار أصحاب النجاشي بتسليم المهاجرين إلى وفد قريش متأثرين بالهدايا ، وما واعدوا به الوفد من المساعدة ، وهنا قال النجاشي : لا ، والله لا أسلم قوما جاوروني ونزلوا بلادي ، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم عما يقول هذان ، فإن كانا صادقين سلمتهم إليهما ، وإن كانوا على غير ما ذكر هذان منعتهم ، وأحسنت جوارهم .

 ثم أرسل النجاشي إلى المهاجرين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فحضروا وهم مجمعون على أن يقولوا الحق حتى سواء سره أو أساءه ،  وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال لهم النجاشي : ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل ؟ فقال جعفر : أيها الملك كنا أهل جاهلية نعيد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفته فدعانا لتوحيد الله ، وأن لا نشرك به شيئا ، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم ، وأمرنا بالصلاة والصيام ، آمنا به وصدقناه وحرمنا ما حرم علينا ، وحللنا ما أحل لنا ، فتعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان .

 فلما قهرونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك عن سواك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك ، وهنا نطق الملك وقال : هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قال : نعم ، فقرأ عليه قرآنا ، فبكى النجاشي وبكى أساقفته ، وقال النجاشي إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة ، وقال لرجلي الوفد : انطلقا ، والله لا أسلمهم إليكما أبدا .

 فلما كان الغد أتيا النجاشي وقال له عمرو : إن هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل النجاشي إليهم فجاؤوا فسألهم عن قولهم في المسيح ، فقال جعفر : نقول الذي جاءنا به نبينا هو عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال : ما عدا عيسى ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته فقال لهم : وإن نخرتم ، وقال لجعفر وأصحابه : اذهبوا فأنتم آمنون ، ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأنني آذيت رجلا منكم ، ورد هدية قريش وقال : ما آخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم ، ولا أطاع الناس في حتى أطيعهم فيه وأقام المسلمون بخير دار ، وأحسن جوار .

إن أبا بكر لما هاجر ذلك العدد الكبير من المسلمين إلى بلاد الحبشة وراء اشتداد ضغط المشركين على المسلمين مع قلة الناصر ، وإنه لم يقدر على أن يدفع عن أحد المسلمين قرر الهجرة إلى الحبشة ، وفعلا استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم فأذن له ، فخرج حتى إذا سار مسافة قرابة اليومين من مكة لقيه ابن الدغنة وهو يومها سيد الأحابيش ، فقال له : إلى أين يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي ، وآذوني وضيقوا علي ، فقال ابن الدغنة : ولم ؟ فوالله إنك لتزين العشيرة ، وتعين على النوائب وتفعل المعروف ، وتكسب المعدوم ارجع فأنت في جواري ، فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش إني قد أجرت ابن أبي قحافة ، فلا يعرضن له أحد إلا بخير ، وحينئذ كفوا فلم يعرضوا له بسوء .

 وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره يصلي فيه ويقرأ القرآن فيبكي فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته وبكائه وقراءته ، وبلغ قريشا ذلك فأتوا إلى ابن الدغنة ، وقالوا له : إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا ، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي ، وكانت هيئته ، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم ، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء ، فذهب ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال له : يا أبا بكر أني لم أجرك لتؤذي قومك ، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت فيه ، وتأذوا بذلك منك ، فأدخل بيتك فأصنع فيه ما أحببت ، فقال أبو بكر : أو أردعليك جوارك وأرضى بجوار الله ؟ قال : فأردد علي جواري ، قال : فرددته ، فقام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم ، فمر بأبي بكر وهو عامد إلى الكعبة سفيه من سفهاء قريش فحثى على رأس أبي بكر ترابا ، ومر بأبي بكر رجل من قريش ولعله الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل ، فقال له أبو بكر : ألا ترى ما يصنع هذا السفيه ؟ فقال : أنت فعلت ذلك بنفسك ، ومضى أبو بكر وهو يقول : أي رب ما أحلمك ، أي رب ما أحلمك ، أي رب ما أحلمك .