إنه بعد أن اكتمل عدد المسلمين نيفا وأربعين رجلا وكذا امرأة ، وأسلم حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب استجاب الله لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين ) ، يعني عمربن الخطاب أو عمرو بن هشام ( أبو جهل ) .
 وبإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما قويت شوكة المسلمين ، فصعد صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا ونادى بأعلى صوته قائلا : واصباحاه واصباحاه فهز صوته حثيات وادي مكة وأقبل الناس نحو النداء زرافات ووحدانا حتى امتلأت الصفا فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كالبدر ليلة هالته فقال : ( يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم صدقتموني ) قالوا : نعم ، فقال : ( إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، أنقذوا أنفسكم من النار ) فقام أبو لهب فقال : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا .
 وكانت المدة التي دعا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سرا ثلاث سنوات لا غير ثم أمر بالجهر فجهر امتثالا لأمر الله تعالى .

 إسلام حمزة رضي الله عنه :

 لقد مر يوما أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكلمه ، وكانت مولاة لعبدالله بن جدعان في مسكن لها تسمع ما قاله أبو جهل ، وشاء الله تعالى أن يمر حمزة راجعا من قنص له متوحشا قوسه ، فقالت له المرأة : يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمدا آنفا من أبي الحكم عمرو بن هاشم وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم فاحتمل حمزة الغضب فخرج يسعى ولم يلتفت إلى أحد حتى أتى أبا جهل وهو جالس في نادي القوم حول المسجد فضربه بالقوس فشج رأسه شجة منكرة ، ثم قال : أتشتمه وأنا على دينه أقو ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت ، فقام رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا ، وثبت حمزة من ساعتئذ على ما قاله ، فأسلم وحسن إسلامه ، ويومها عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع بإسلا عمه حمزة المعروف بينهم بأنه أعز فتى في قريش .

 قصة إسلام عمر رضي الله عنه :

 مر عمر برجل مخزومي قد أسلم فعابه عمر فرد عليه الرجل ، بأنه إن أسلم هو فقد أسلم من هو أحق باللوم والعتاب مني يا عمر ، فقال عمر : من هو ؟ ، قال الرجل : أختك وصهرك ، فذهب عمر إلى دار أخته فاطمة وهي تحت سعد بن زيد ، وسأل ما هذا الذي بلغني عنكما ؟ ، فردا عليه ، وما كان منه إلا أن ضرب رأس أخته فأدماه ، فقامت إليه وقالت : وقد كان ذلك على رغم أنفك ، فاستحيا عمر حين رأى الدم يسيل من رأس أخته ، وجلس ، وقد رأى بينهما كتابا ، فقال : أروني هذا الكتاب ، فقالت له فاطمة : إنه لا يمسه إلا المطهرون ، فقام عمر فاغتسل ، فأخرجا له صحيفة .

 فتعظم ذلك في صدر عمر وأسلم ، وقال لها : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له في دار الأرقم ، فذهب إلى دار الأرقم ، فقرع الباب ، ففزع من في الدار فقال لهم حمزة : ما لكم ؟ قالوا : عمر ، قال : افتحوا له الباب ، فإنه إن أقبل قبلناه وإن أدبر قتلناه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من الدار ، فلما سمع الحديث خرج فتشهد عمر ، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من في المسجد ، وقال عمر : ألسنا على الحق يا رسول الله ؟ قال : بلى ، قال : ففيم الاختفاء فخرجوا صفين ، عمر في أحدهما وحمزة في الآخر ، وقد كان أسلم قبل عمر بثلاثة أيام ، ولما دخلوا المسجد ورأتهم قريش وبينهما حمزة وعمر أصابتهم كآبة وحزن شديد ، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ساعتها عمر الفاروق .

 دخلت الدعوة في طور جديد فجاهر الرسول صلى الله عليه وسلم وصدع ما يأمره به ربه ، فأقض هذا الموقف مضاجع المشركين ، وأفزعهم ، وزادهم هولا وفزعا تزايد عدد المسلمين وإعلانهم عن إسلامهم ، وعدم مبالاتهم بعداء المشركين لهم الأمر الذي جعل رجالات قريش يساومون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وها هو ذا أبو الوليد عتبة بن ربيعة يبعث من قبل المشركين  ليعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأوه حلا للمشكلة في نظرهم ، فيقول : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، فقال له الرسول الله صلى الله عليه وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع ، قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان ذها الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه .

 وعاد عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، أطيعوني واجعلوها لي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به ، فما كان جوابهم إلا أن قالوا : سحرك يا أبا الوليد بلسانه ، فقال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم .

 كما أن رد عتبة على المشركين لما اتهموه بأنه سحر كان ردا معقولا ومقبولا لولا العمة والحيرة اللتان أثيب بهما المشركون يدل على ذلك أن قولة عبة أبي الوليد لهم تزن الذهب لو كان لهم عقل ، أو كانوا يبصرون ، أو كانت لهم حنكة سياسية ، ويدل على عمههم وحيرتهم أيضا بعدما سمعوا الذي سمعوه من أبي الوليد كونوا وفدا من أعظم رجالاتهم ، وبعثوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليساومه بنس المساومة ويقول له نفس الكلام الذي قاله له أبو الوليد وفعلا أتى الوفد الجديد وكرر قولة أبي الوليد فرد الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا : إنه ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فأبلغكم رسالات ربي ، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وأن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بين وبينكم ، ولما سمعوا هذا الرد الكريم الحكيم من سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فقدوا صوابهم ، وجن جنونهم وأخذوا يهذرون ويهرفون بما لا يعرفون ، ومن جملة ما قالوه : إنهم طلبوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه ليحيي لهم من مات من آبائهم ، وأن يزيل عنهم الجبال المحيطة بمكة ، وأن يفجر خلالها الأنهار لتصبح حدائق من نخيل وأعناب .

 ولما فرغوا من عرضهم وردهم السخيف ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه عبدالله بن أبي أمية المخزومي ، وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن أمه عاتكة بنت عبدالمطلب فقال له : عرضت عليك قريش كذا وكذا ، ورفضت كل ذلك ، فوالله لا أؤمن بك أبدا ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا آسفا لما فاته مما كان أمله من استجابة قومه لما دعوه ليكلموه في أمر دعوته كان هذا عرضا .

 إنه لما فشل رجالات قريش في المساومات التي تقدموا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوا ما أياسهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم التنازل عن شيء من دعوته وإن قل ، وعن عدم التزحزح عما يدعو إليه قيد شعرة قام أبو جهل ليشفي صدره الذي احتدم غيظا فأخذ حجرا كبيرا وقال : لأفلقن به رأس محمد صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، وتحين عدو الله الفرصة ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حول الكعبة بين الركنين مستقبل البيت ، جاء أبو جهل وتقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه بالحجر ، ورجالات قريش في أنديتهم ينتظرون ما يفعله طاغيتهم ، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى هاربا منتقع اللون مرعوبا قد يبست يداه على الحجر ، وقام إليه رجالات قريش يقولون ما لك أبا الحكم ؟ ما أصابك ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصره ولا أنيابه لفحل قط ، فهم بي ليأكلني .

 ولما سمع وشاهد هذه الحادثة النضر بن الحارث قام في قريش وقال : يا معشر قريش أنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، فقد كان فيكم محمد غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغه الشيب وجاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ، وقلتم كاهن ، ولا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم ، وقلتم شاعر ، لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه ، قلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه ، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله قد نزل لكم أمر عظيم ، لقد كان النضر هذا يسلم لما تبين له من الحق ولكن منعه الحسد  والغرور وعمى البصر والبصيرة .

 إنه لما أعيث الحيل قريشا ، ولم تجد ما تدفع به دعوة الحق التي عشت أبصارها عن أنوارها الساطعة بعثت وفدا إلى يثرب يجلي لها حقيقة الموقف بوساطة أحبار اليهود لأنهم أهل كتاب وذوو علم بالأديان .

 ويتكون الوفد من النضر بن الحارث شيطان قريش أميرا ، وعقبة بن أبي معيط مساعدا له ، وقالوا لهما : اسألا أحبار اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم وصفا لهم صفته وأخبرهم بقوله الذي يقول ، ودعوته التي يدعو إليها فإنهم أهل كتاب ، وعندهم علم بالأنبياء ليس عندنا ، فخرجا حتى أيتا المدينة فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجب ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه . وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم ، وعاد الوفد إلى قريش وقال لهم قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها فإن أخبركم بها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا رأيكم فيه .

 وسألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم وقال : غدا أخبركم ؟ ، ولم يستثن وانصرفوا عنه ، وحبس الله الوحي عنه لعدم استثنائه قرابة نصف الشهر حتى حزن صلى الله عليه وسلم وفرحت قريش ، وقالوا الكثير من القول حتى قالوا : قلاه شيطانه الذي كان يأتيه ، ثم أنزل الله تعالى سورة والضحى ينفي فيها ما قالته قريش وادعاه بعضهم من غلاة المبغضين له صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى قد قلاه أي تركه وأضاعه مبغضا له ، وأنزل سورة الكهف وفيها بيان حديث أصحاب الكهف تفصيلا وفيها خبر الرجل الطوافة وهو الإسكندر ذو القرنين .

 ولما فشلت قريش في محاولتها بإرسالها وفدا إلى أحبار اليهود لجت في الخصومة وأعلنت حربا كلامية على رسول الله صلى الله عليه وسلم محاولة بذلك إطفاء نور الله بأفواهها وها هو ذا أبو جهل يقول هازئا ساخرا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء من الهدى ودين الحق : يا معشر قريش يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا وكثرة ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟

 ويكشف أبو جهل عن وجه حسده وكبريائه فيأتيه الأخنس بن شريق فيقول له : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟
 فقال : ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ، ويحملهم البغض والخوف على أن يمنعوا سماع القرآن فيتخذوا في ناديهم قرارا بمنع سماع قراءة القرآن ، فخرج أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بن شريق خرجوا ثلاثتهم ليلا ليستمعوا قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في صلاته في بيته ، واتخذوا مجالس لهم يستمعون فيها في الظلام ولا يدري أحدهم عن الآخر ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا وتعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها ، ولكنهم لم يصبروا فخرجوا في ليلة أخرى ، ولا يدري أحدهم عن الآخر ، واستمعوا إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق فتلاوموا ، وتكرر هذا منهم ثلاث مرات وفي الرابعة تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها أبدا .

 إنه بعد أن بذلت قريش كل ما في وسعها من قوة وحيلة في إطفاء أنوار الدعوة المحمدية ، وباءت بخيبة مريرة حولت ذلك إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين كبلال وعمار ووالده ياسر وأمه سمية ، وصهيب الرومي ، وخباب بن الأرت ، وأبي فهيرة ، وأبي فكيهة ومن النساء زنيرة ، والنهدية ، وأم عبيس .

 أما بلال فكان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي ، وكان يعذبه بإلقائه في الرمضاء على وجهه وظهره ، ويضع الصخرة العظيمة على صدره ، وذلك إذا حميت الشمس وقت الظهيرة ، ويقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى وبلال صابر يردد كلمة : أحد أحد ، وأخيرا استبدله أبو بكر الصديق بعبد مشرك عنده وأعتقه رضي الله عنهما .

 وأما عمار وأمه ووالده ياسر فقد كانوا يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء ، فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال : صبرا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ) فمات ياسر تحت العذاب رحمه الله رحمة واسعة .
 وأما سمية فقد أغلظت القول لأبي جهل فطعنها بحربة في قلبها فماتت شهيدة وكانت أول شهيد في الإسلام .

 وشدد أعداء الله العذاب على عمار ونوعوا العذاب عليه فمرة بالجر ومرة بوضع الصخرة على صدره ، وأخرى بالغمس في الماء إلى حد الاختناق ويقولون له : لا نتركك حتى تسب محمدا ، وتقول في اللات والعزى خيرا وفعل ما طلبوا منه فتركوه ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقال : ما وراءك ؟ ، فقال : شر يا رسول الله كان الأمر كذا وكذا ، فقال له : كيف تجد قلبك ؟ ، قال : أجده مطمئنا بالإيمان ، فقال : إن عادوا يا عمار فعد .
 وأما خباب فقد أسلم سادس ستة فقد غذبه المشركون عذابا شديدا إذ كانوا يلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالحجارة المحماة بالنار ويلوون رأسه .

 وأما عامر بن فهيرة فقد أسلم قديما قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم ، وكان من المستضعفين فعذب عذابا شديدا ، ولم يرده ذلك عن دينه ، وكان يرعى غنما لأبي بكر ، وكان يروح بها على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما في الغار طوال المدة التي كانا فيها في الغار وأما أبو فكيهة واسمه أفلح أو يسار فقد كان عبدا لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي أسلم مع بلال فأخذه أمية بن خلف علية لعائن الله وربط في رجليه حبلا وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء ، ومر به جعل ( حشرة معروفة ) فقال له أمية : أليس هذا ربك ؟ فقال : الله ربي وربك ورب هذا ، فخنقه خنقا شديدا ، وكان معه أخوه أبي بن خلف فيقول : زده غذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره ، لوم يزالوا يعذبونه كذلك حتى أغمي عليه فظنوه مات ثم أفاق فاشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه .

 وأما النساء زنيرة وأم عبيس ولبيبة والنهدية فقد عذبن كذلك أشد الغذاب من قبل مواليهن ولم يرجعن عن دينهن ، فرضي الله عنهن وأرضاهن .
 إن تلك النقمة التي أنزلها المشركون بالمستضعفين من المؤمنين لم تكن في الحقيقة خاصة بالمستضعفين بل هي عامة في كل المؤمنين ، وعلى رأسهم سيد العالمين الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، إلا أن الأحرار من المؤمنين كان لهم من المنعة ما جعل المشركين لا يقدرون على أن يعذبوهم مثل تعذيب المستضعفين من العبيد والإماء والموالي الأغراب ، وإلا فإنه لم يسلم مؤمن واحد من التعذيب والاضطهاد والاستهزاء به والسخرية منه ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سخر منه واستهزئ به .

 وها هي ذي أسماؤهم مع بيان حالهم ونهاية حياتهم :

 1 - أبو لهب وهو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان من أشد الناس تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم أذى له حتى إنه كان يطرح العذرة والنتن على باب النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان مجاورا له وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد ذلك يقول : ( أي جوار هذا يا بني عبد المطلب ؟) ومر حمزة مرة بأبي لهب وهو يطرح العذرة على باب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها وطرحها على رأس أبي لهب .

 وكانت امرأته أم جميل العوراء مثله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة بغصه ، وقد لقبها الرحمن بحمالة الحطب ، وأخذ الله جل جلاله أبا لهب بمكة إذ أصابه بمرض خبيث يقال له مرض العدسة وكان ذلك يوم هزيمة المشركين ببدر ، فما إن بلغه خبر هزيمة قومه حتى أصيب بمرض العدسة ، فمات شر ميته حتى إنهم لم يقدروا على تغسيله فصبوا عليه الماء من بعيد من شدة الرائحة الكريهة التي تفوح من جسمه الذي نضج وتهرى بصورة لم يعرف لها نظير .

 2 - الوليد بن المغيرة المخزومي وهو القائل لقريش : إن الناس يأتونكم في الحج فيسألونكم عن محمد فلا تختلف أقوالكم فيه بأن يقول بعض هو شاعر ، وآخر يقول هو كاهن ، ولكن قولوا كلمة واحدة هو ساحر ، لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته وكان سبب هلاكه : أنه وطئ سهما فخدشه فتورمت رجله ، ومات بذلك شر ميته ، وكفى الله رسوله شره وشر كل مستهزئ بحبيبه صلى الله عليه وسلم .

 3 - أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي وكان من أشد الناس عداوة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وكنيته أبو الحكم ، وكناه المسلمون بأبي جهل لخبثه وسوء أفعاله وقبيح صنائعه ، هلك ببدر قتله ابناعفراء ، واحتز رأسه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، إذ كان يعيره بابن راعية الغنم ، وهو القائل : لئن سب محمد آلهتنا سببنا إلهه .

 4 - النضر بن الحارث وكان من أشد الناس تكذيبا للنبي صلى الله عليه وسلم وأذى له ولأصحابه ، وكان يقرأ كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى ، ولما سمع ذكر النبي المنتظر وقرب مبعثه قال : إن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم ، هلك هذا الطاغية ببدر إذ أسره المقداد بن الأسود ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه لكثرة شره فقتله على رضي الله عنه .

 5 - عقبة بن أبي معيط الأموي وكان من أشد الناس أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعداوة له وللمسلمين ، وهو الذي وضع سلى الجزور بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى عند البيت ورجالات قريش يضحكون ، حتى جاءت فاطمة وكانت جويرية صغيرة فنحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالت منه سبا وانصرفت رضي الله عنها وأرضاها ، هلك هذا الطاغية الخبيث ببدر حيث أس بها وصلب وهو أول مصلوب في الإسلام وكان أحميرا أزرق العينين شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعاقر ناقة صالح قدار بن سالف .

 6 - الأسود بن عبد يغوث الزهري كان المستهزئين وكان إذا رأى فقراء المسلمين قال لأصحابه : هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى ، وكان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم مستهزئا به : أما كلمنت اليوم من السماء يا محمد ، خرج عدو الله من أهله يوما فأصابه السموم فاسود وجه ، وأصابته الأكلة ( مرض ) فامتلأ جسمه قيحا فمات شر ميته .

 7 - الحارث بن قيس السهمي وكان أحد المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم الذين لا يبرحون يؤذونه طوال حياتهم ، وكان لجهله وشدة شغفه بالأوثان يأخذ الحجر يعبده ، فإذا وجد غيره أحسن من تركه وعبد غيره مما رآه أحسن في نظره وكان يقول: قد غر محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر ، وهلك هذا الطاغية الملحد الدهري بالذبحة ، إذ أكل حوتا مملوحا فلم يزل يشرب حتى مات ، وقد امتلأ رأسه قيحا فكانت موتته شر ميته .

 8 - 9 - أبي وأمية ابنا خلف وكانا من أشد الناس أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعداوة له ولأصحابه ، واستهزاء بدين الله ، إذ جاء أبي عليه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم ففتته بيده وقال : زعمت أن ربك يحيي هذا العظم ، وضع عقبة بن أبي معيط طعاما ودعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا الله ، ففعل فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أمية بن خلف لعقبة أقلت : كذا وكذا ، فقال : إنما قلت ذلك لطعامنا ، وهلك أمية يوم بدر مرذولا مخزيا شر ميته ، وهلك أخوه أبي بطريق مكة إذ ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم بحربة في ترقوته في أحد .

 10 - أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة وكان مم يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعين أبا جهل على ذلك ، هلك ببدر على يد حمزة عم الحبيب صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عن حمزة ومن ترضى عن حمزة موقنا موحدا لا يشرك بالله شيئا .

 11 - العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وكان من المستهزئين وهو القائل ما مات القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم : إن محمدا أبتر لا يعيش له ولد ذكر ، هلك العاص بمكة بسبب لدغة في رجله انتفخت لها رجله حتى صارت كعنق البعير فمات بعدة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بشهر وكذا يوما .

 12 - 13 - نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وكانا من المستهزئين المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وكانا إذا لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولان له : أما وجد من يبعثة غيرك ، إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر ، هلك كل منهما ببدر فقتل علي رضي الله عنه منبها ، والآخر لا يدرى من قتله .

 14 - الأسود بن المطلب بن أسد ويكنى أبا زمعة كان من المستهزئين إذ كان مع أصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : قد جاءكم ملوك الأرض ، ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر ويصفرون به ويصفقون لهوا وضحكا وسخرية ، دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمى ويثكل ولده ، فعمي وثكل ولده ومات بمكة والناس يتجهزون لأحد وهو يحرض الكفار على الخروج مع ما عليه من المرض من شدة بغضه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودين الله فهلك أعمى أثكل

 15 - طعيمة بن عدي بن نوفل كان ممن يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتمونه ويكذبونه ، أسر ببدر وقتل صبرا بها .
 16 - مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان كان من المستهزين وكان سفيها فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فمات بمكة بعدما امتلأ رأسه قيحا .

 17  - ركانة بن عبد يزيد وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به فقال يوما للرسول صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب فإن صرعتني علمت أنك صادق ، ولم يكن يقدر على صرعه أحد ، فصارعه النبي صلى الله عليه وسلم وصرعه ثلاث مرات ودعاه إلى الإسلام  فأبى أن يسلم وقال : لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقبلي ) فأقبلت تخد الأرض ، فقال ركانة : ما رأيت سحرا أعظم من هذا ، مرها فلترجع ، فأمرها صلى الله عليه وسلم فعادت إلى مكانها ، فقال ركانة : هذا سحر عظيم ، ولم يؤمن .