لقد بلغ الحبيب الآن الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم ، وأخذت ساعة طلوع الشمس المحمدية تقترب ، وها هو ذا صلى الله عليه وسلم إن غدا لحاجة أو راح لا يمر بشجرة ولا حجر إلا قال له : السلام عليك يا رسول الله ، فيلتفت حوله يمينا وشمالا فلا يرى أحدا سوى الشجرة والحجر يسلم عليه .

 وفي ليلة الاثنين من شهر ربيع الأول طلعت الشمس المحمدية حيث صار لا يرى رؤيا في ليلة ولا نهاره إلا جاءت كفلق الصبح وهذا الزهري يروي عن عروة عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها قولها : إن أول ما بدى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ، ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح ، قالت : وحبب إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده ، واختار صلى الله عليه وسلم لخلوته المحببة إليه جبل حراء وهو أحد جبال مكة المطلة عليها فكان يخلو به مجاورا فيه يتحنث ، وهو ما يراه ويسمعه من الشرك والباطل بين أفراد قومه من قريش وفي ليلة من ليالي رمضان المبارك ولعلها السابعة عشرة منه نزل عليه جبريل عليه السلام يحمل بشرى النبوة تمهيدا لحمل الرسالة إلى الناس كافة .

 فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ( ما أنا بقارئ ) ، قال : ( فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني .

 فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة فقال : ( زملوني  زملوني ) فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : ( لقد خشيت على نفسي ) فقالت : كلا ، والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .

 ما إن جاء صلى الله عليه وسلم خديجة وقص عليها حتى قالت له : أبشر يا ابن عم فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ، ثم جمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى ورقة بن نوفل ابن عمها ، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، وقالت : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره الحبيب صلى الله عليه وسلم خبر ما رآى ، فقال له ورقة :  والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي أنزل على موسى ،  ولتكذبنه ولتؤذينه ، ولتخرجنه ، ولتقاتلنه ،
 ياليتني فيها جذع ، ليتني أكون حيا إذ يخرك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أومخرجي هم ؟ ) قال ورقة : نعم ، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه .

 وحمل خديجة حرصها على تجلي الحقيقة ومعرفة الأمر على حقيقته ليكون إيمانها بعلم ويقين فأجرت الاختبار التالي :
 فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن عم هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذ جاءك ، قال : نعم ، قالت : فإذا جاءك فأخبرني به ، فجاءه جبريل عليه السلام كما كان  يجيئه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة : يا خديجة هذا جبريل قد جاءني ، قالت : قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليسرى ، قالت : هل تراه ، قال : نعم ، قالت : فتحول فاجلس على فخذي اليمنى ، فتحول وجلس ، وقالت : هل تراه ، قال : نعم ، قالت : فتحول فاجلس في حجري ، فتحول فجلس في حجرها قالت : هل تراه ، قال : نعم ، فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت : هل تراه ، قال : لا ، قالت : يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه ملك ، وما هذا بشيطان .

 وبهذا كانت خديجة أول من استضاء بنور النبوة المحمدية وأول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي الذي جاءه كما أن ورقة كان من الفائزين بالأسبقية لولا أن المنية اخترمته فلم يشهد ضحى الشمس المحمدية .
إنه بعد ذلك المفاجأة السارة له صلى الله عليه وسلم ولخديجة رضي الله عنها وورقة بن نوفل غفر الله له فتر الوحي وانقطع قرابة الأربعين يوما ، ومات ورقة ، واشتد الألم النفسي بالحبيب صلى الله عليه وسلم حتى صرح لخديجة بأنه خائف على نفسه بل كان كالهائم على وجهه في جبال مكة وشعابها ، وكان كلما اشتد به الحزن تبدى له جبريل يقول له : يا محمد إنك رسول الله حقا فيخف عنه حزنه ، ويقل ألمه .

 وتمضي الأيام وفجأة وهو يمشي يسمع صوتا من السماء فيرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء قاعد على رفرف بين السماء والأرض ، فرعب منه أشد الرعب ورجع إلى أهله يقول زملوني زملوني .
 إن عودة الوحي كانت حامية حارة إذ أمر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه عاقبة ما هم فيه من الشرك ، وما هم عليه من الكفر والفساد والشر ، كما أمر هو صلى الله عليه وسلم بتعظيم الله عز وجل وتوحيده ثم بتطهير ثيابه من النجاسات لأنه أصبح يتلقى الوحي في كل حين ، فتعين أن يكون صلى الله عليه وسلم على أتم الأحوال وأحسنها ، كما أمر بالاستمرار على هجر الأوثان ، والبعد عنها ، وعدم الالتفاف إليها بحال من الأحوال .

 ومن هنا بدأ صلى الله عليه وسلم دعوته بعرضها على من يرى فيه الاستعداد لقبولها فكان أول من أسلم من النساء خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها وأول من أسلم من الصبيان على بن أبي طالب رضي الله عنه إذ أسلم وعمره عشر سنين ، وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفيين بصلاتهما عن أعين قريش .
 وأول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، واسم أبي بكر قبل الإسلام عتيق ، واسم أبيه عثمان بن عمرو التيمي وكنية عثمان أبو قحافة .
 وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي ، وكان عبدا لحكيم بن حزام فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد ، وهي زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فاستوهبه منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبته إياه ، فعتقه صلى الله عليه وسلم وتبناه ، وذلك قبل البعثة النبوية ، وكان زيد قد خرجت به أمه وهو ابن ثمانية أعوام لتزيره بعض أقربائه فأصابته خيل من بني القين فباعوه في سوق حباشة من أسواق العرب ، فاشتراه حكيم بن حزام في جملة أعبد .
 وبعد زمن قدم والده مكة وعرف ولده زيدا ، وخيره الرسول صلى الله عليه وسلم بين الذهاب مع والده وبين البقاء معه فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا عتقه وتبناه وكان يعرف بزيد بن محمد حتى جاء الإسلام وحرم التبني فأصبح يعرف بزيد بن حارثة بدل محمد صلى الله عليه وسلم .

 لقد أسللم الصديق مبكرا ، إذا هو أول من أسلم من الرجال الأحرار ، وقد توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمة لم يظفر بها أحد غير أبي بكر الصديق هو قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحطاني ما عكم عنه حين ذكرته له ، وما تردد فيه ) .
 وكان الصديق رضي الله عنه في سن قريبة من سن الرسول صلى الله عليه وسلم وكان ذا حسب ونسب في ديار مكة وبين سكانها ، وهو إن لم يكن هاشميا فهو تيمي قرشي عظيم ، يمتاز بحسن الخلق ، وكرم النفس ، والمعرفة بأنساب العرب حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك .

 وما إن أسلم رضي الله عنه عن قناعة وعلم بما دخل فيه من دين الله تعالى حتى أخذ يتصل بخيار رجالات قريش في مكة يعرض عليهم الإسلام سرا فأجابه وأسلم على يديه نخبة ممتازة كان لها الأثر الكبير في نشر الدعوة داخل مكة وخارجها وأفراد هذه الطليعة هم :

 عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الخليفة الراشد رضي الله عنه وأرضاه ، يكنى بأبي عبدالله ، وبأبي عمرو ، ويلقب بذي النورين لتزوجه بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم : رقية ، ثم أم كلثوم رضي الله عنهما .
 الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي القرشي ، يكنى بأبي عبدالله وهو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب .

 عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي ، ذو الهجرتين رضي الله عنه وأرضاه .
 سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص هو والد سعد مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي ، خال الحبيب صلى الله عليه وسلم ، إذ جد سعد أثيب عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان رضي الله عنه مجاب الدعوة حتى قيل فيه : احذروا دعوة سعد ، فرضي الله عن سعد وأرضاه .

 طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشي ، يكنى بأبي محمد الفياض أحد العشرة المبشرين بالجنة ، قتل في وقعة الجمل رضي الله عنه وأرضاه .

 فهؤلاء النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ، يضاف إليهم على وزيد وأبو بكر الصديق فيصبحون ثمانية أنفار هم أهل السبق في الإسلام إذ آمنوا وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل أحد من الناس باستثناء السيدة خديجة رضي الله عنها إذ كانت أول المؤمنين .

 وما أن أسلم أولئك النفر الكرام حتى تتابع أشراف قريش يدخلون في الإسلام فيؤمنون بالله ربا وإلها لا إله غيره ولا رب سواه وبمحمد نبيا ورسولا ، وبالقرآن هدى ونورا ، فأسلم :

 أبو عبيد عامر بن الجراح القرشي الملقب بأمين هذه الأمة ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وهو الذي انتزع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقتي الدرع يوم أحد فسقط بذلك ثناياه رضي الله عنه وأرضاه .

 وابو سلمة عبدالله بن عبد الأسد بن هلال القرشي ، وأمه برة بنت عبدالمطلب فهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر الهجرتين وشهد بدرا وتوفي سنة ثلاث من الهجرة ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته إكراما له واعترافا بفضله في إسلامه أم سلمة فأصبحت أم المؤمنين ، وهذا من إكرام الله تعالى لها ولأبي سلمة رضي الله عنهما وأرضاهما .

 والأرقم بن أبي الأرقم وهو عبد مناف بن أسد القرشي أسلم عاشرة عشرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استخفى في داره بالصفا يدعو الناس إلى الإسلام سرا حتى اكتمل عدد المسلمين أربعين رجلا ، وكان آخرهم إسلاما عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ويومئذ خرجوا من الدار وصلوا جهرة حول الكعبة .

 وعثمان بن مظعون القرشي ، ويكنى بأبي السائب وهو أخ للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع وهو أول مهاجر توفي بالمدينة النبوية ، ومن فضائله وكمالاته الروحية أنه امتنع من شرب الخمر في الجاهلية قبل الإسلام ، وقال : لا أشرب شرابا يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو أدنى مني ويحملني على أن أنكح كريمتي .

 وعبيد بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي ، وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين هاجر إلى المدينة مع أخويه الطفيل وحصين أسلم قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ، وكانت له منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقدر ، يكنى بأبي الحارث رضي الله عنه وأرضاه .

 وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وصهره إذا كانت تحته فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها التي كانت سبب إسلام أخيها عمر رضي الله عنهما .

 وأسماء وعائشة بنتا الصديق أسملت عائشة وهي طفلة صغيرة وأما أسماء فكانت متزوجة بالزبير بن العوام حين أسلمت فرضي الله عنهما وأرضاهما .

 وخباب بن الأرت حليف بني زهرة التميمي .

 وعبدالله بن مسعود ابن أم عبد الهذلي .

 ومسعود بن القاري بن ربيعة من القارة وهم قوم رماة لقبوا بالقارة .

 وهكذا توالى إسلام من أكرمهم الله بالإسلام فأسلم جعفر بن أبي طالب وامرأته ، وأسلم عياش وامرأته ، وخنيس ، وعامر بن ربيعة بن عنز بن وائل ، وعبدالله بن جحش وأخوه أبو أحمد ، وحاطب بن الحارث وامرأته فاطمة بنت المجلل ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ، وخالد بن سعد بن العاص ، وعمار بن ياسر العنسي المذحجي حليف بني يقظة ، وصهيب بن سنان الرومي نسبة إلى الروم إذ كان قد أسر في أرض الروم وهي الشام فاشتري منهم ، وورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : صهيب سابق الروم ، فرضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مأوانا ومأواه ، آمين .

 لقد بلغ المسلمون هذا العدد الكبير وما زالت الدعوة سرا لم يجهر بها بين صفوف قريش ، لأن هذا العدد غير كاف في دفع ما يتوقع من أذى تصيب به قريش المسلمين ، وقبل كل شيء أن الله تعالى لم يأذن بعد لرسوله والمؤمنين بالجهر بالدعوة ، ولو أذن لهم لجهروا بها وكلفهم ذلك ما كلفهم .