أول تلك المظاهر الكمالية :

 الاستسقاء به صلى الله عليه وسلم وهو طفل لم يبلغ بعد ، قالت قريش : يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال ، فهلم فاستسق ، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلب عنه سحابة قتماء ، حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ باصبعه الغلام ، وما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق ، وانفجر الوادي وأخصب النادي والبادي .

 فهذه إحدى الكرامات الإلهية للحبيب صلى الله عليه وسلم ، وهو مظهر من مظاهر الكمال ، إذ ألهم الله تعالى أبا طالب أن يستسقي به صلى الله عليه وسلم وهو طفل فيأخذه ويأتي به إلى الكعبة ، ويلصق ظهره بها ويرفع الغلام بين يديه ، ولسان حاله يقول : اسقنا ربنا فقد توسلنا إليك بهذا الغلام المبارك فيسقيهم الله تعالى حتى يجري واديهم وتخصب أراضيهم .

 وثاني تلك المظاهرة للكمال المحمدي :

 أنه صلى الله عليه وسلم لم تكشف له عورة قط ، بعد أن حدث له مرة وهو ينقل الحجارة مع رجالات قريش لبناء الكعبة المشرفة وكانوا يرفعون أزرهم على عواتقهم يتقون بها ضرر الحجارة ، وكان هو صلى الله عليه وسلم يضع الحجارة على عاتقه وليس عليه شيء ، فرآه عمه العباس رضى الله عنه فقال له : لو رفعت من إزارك على عاتقك حتى لا تضرك الحجارة ففعل صلى الله عليه وسلم فبدت عورته ، فوقع على وجهه فوق الأرض ، ونودي : استر عورتك أي ناداه ملك ، فما رؤيت له بعد ذلك عورة أبدا .

 وثالث مظاهر الكمال :

  أنه صلى الله عليه وسلم قد بغض الله تعالى إليه الأوثان وكل أنواع الباطل التي كان يأتيها فتيان قريش ورجالاتها من الغناء وشرب الخمر والقمار وسائر الملاهي ، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك عن نفسه فقال : ( لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ،ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته .
 قلت ليلة لغلام كان يرعى معي : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب ، فخرجت حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفا بالدفوف والمزامير لعرس كان لبعضهم فجلست لذلك فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس ، ولم أقض شيئا ، ثم عراني مثل ذلك مرة أخرى ) .

 رابع المظاهر للكمال :

 هو تحكيم قريش له في أعظم خلاف لها كاد يفضي بها إلى الحرب والقتال ، وذلك أن السيل كان قد طغى على الكعبة فغمرها بالمياه وزلزل بناءها وكاد يهد أركانها ، وتشاورت قريش طويلا في إعادة بناء الكعبة بعد الذي أصابها ، وكانت تتهيب أن تمس الكعبة بشيء لا سيما هدمها وتجديد بنائها مخافة أن تنالها عقوبة من الله رب الكعبة وحاميها من كل كيد يراد لها ، وبعد أخذ ورد أقدمت على هدمها وتجديد بنائها بعدما أعدت لذلك عدته ومنه المال الحلال ، وفعلا وزعت أركانها على قبائلها ، وشرعت في الهد والبناء ، ولما ارتفع جدار الكعبة وبلغ موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يتشرف بوضع الحجر مكانه من الركن اليماني الشرقي ، وتنافسوا في ذلك وشحوا به على بعضهم حتى كادوا يقتتلون .

 وأخيرا ألهمهم الله تعالى إلى تحكيم أول من يقبل من باب الصفا وما زالوا كذلك حتى أقبل محمد صلى الله عليه وسلم فما إن رأوه مقبلا حتى قالوا : هذا محمد الأمين رضينا به حكما ، وفعلا رضي صلى الله عليه وسلم بتحكيمهم له ، فأمرهم أن يبسطوا ثوبا فوضعه فيه ثم أمر ممثلي قبائل قريش أن يأخذ ممثل كل قبيلة بطرف ودفعوه ، ولما حاذوا به مكانه من الجدار رفعه بيديه الكريمتين فوضعه مكانه ،وبذلك حقنت دماء قريش ، وعادت الألفة والمودة بين رجالات قريش ، فكان هذا الحكم والتحكيم أكبر مظهر من مظاهر الكمال المحمدي قبل إنبائه وإرساله نبيا ورسولا .

 خامس المظاهر للكمال المحمدي :

 أعتراف بحيرى الراهب بكماله وبنبوته ووصيته عمه أبا طالب به ، وذلك أنه لما بلغ صلى الله عليه وسلم الثانية عشرة من عمره أو ما يقاربها وأراد أبو طالب وهو عمه وكافله السفر إلى الشام صحبة قافلة تجارية عز على أبي طالب أن يخلف محمدا وقد امتلأ قلبه بحبه صلى الله عليه وسلم .

 وعز على محمد صلى الله عليه وسلم أن يفارقه عمه كذلك ، فتعينت الصحبة فصحبه أبو طالب معه إلى الشام مجتازين ديار ثمود وبلاد مدين إلى الشام ، وانتهوا إلى بصرى من ديار الشام فنزلوا منزلا قريبا من صومعه راهب هو بحيرى ، وكان بحيرى ذا علم بالمسيحية والكتب الأولى ، وكان رأسا في المنطقة لعلمه وفضله .

 وشاء الله تعالى أن يطل من أعلى صومعته فيرى قافلة قريش وهي مقدمة نحوه ، وأن بينها غلاما تظلله غمامة من الشمس ولما وقفت القافلة للنزول ، ونزلت رأى الغمامة تقف فوق الغلام لا تتعداه تحفظه من حر الشمس ، فعلم أن لهذا الغلام شأنا ، وكيف يصل إليه ويجري الحديث معه ليعرف شأنه ؟

 فما كان من الراهب إلا أن دعا القافلة إلى طعام عشاء عنده بعنوان ضيافة ، وقبلت القافلة ذلك بعد تردد واستفسار عن مثل هذه الضيافة التي لم تحصل لقوافلهم المتعددة قط وطمأنهم بحيرى بأنه لا غرض له إلا إكرامهم ، والتعرف على أحوالهم .

 ولما حضر الطعام وتقدم الأكله لم ير بحيرى الغلام الذي رأى الغمامة تظله فتعجب ، وقال للقوم : هل تخلف من قافلتكم أحد ؟ قالوا : لا ، فقال : بلى ، أين الغلام الذي كان معكم فجاؤوا به ، وقد تخلف لصغره وحيائه أن يطعم مع رجالات قريش فبقي في رحل عمه ، فلما جاء وجلس أخذ بحيرى يلحظه ويتأمله ، ولما انصرف القوم قام بحيرى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال له : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ، ألا أخبرتني عما أسالك عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغض شيئا قط بغضهما ) فقال له : أسألك بالله ألا ما أخبرتني عما أسألك عنه .

 فقال له صلى الله عليه وسلم : ( سل عما بدا لك ) فجعل بحيرى يسأله عن أشياء عن حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من نعوت الرسول وصفاته التي عرفها من الكتب السابقة ، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه وكان مثل أثر المحجم ، ثم التفت الراهب بحيرى إلى أبي طالب فسأله عن الغلام فأخبره فعلم أنه النبي المنتظر ، وأمره أن يعود به إلى دياره مخافة أن يغتاله يهود إذا رأوه وعلموا به فقضى أبو طالب حاجته من تجارته بسرعة وعاد بابن أخيه مسرعا إلى مكة .

 سادس المظاهر للكمال المحمدي :

 حضوره صلى الله عليه وسلم حلف الفضول ، إن حلف الفضول كان بعد حرب الفجار التي كانت حربا فجر فيها أهلها بانتهاكهم حرمة الشهر الحرام ، وقد دارت تلك الحرب بين كنانة وقريش من جهة ، وقيس من جهة أخرى ، وكان سببها تافها لم يعد قتل رجل من قيس تداعى بعده الأحلاف للقتال ، ولما انتهت تلك الحرب الفاجرة الخاسرة إذ هي من عمل الجاهلية دعت قريش إلى حلف الفضول ، وسببه أن رجلا من زبيد جاء مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل وكان ذا قدر وشرف في مكة فمنعه حقه فاستعدى الزبيدي الأحلاف على العاص ، وهم عبد الدار ، ومخزوم ، وجمح ، وسهم ، وعدي فأبوا أن يعينوه على العاص بن وائل فما كان منه إلا أن  علا جبل أبي قبيس ، وصاح بشعر يصف فيه ظلامته .

 وعندها مشى الزبير بن عبد المطلب وقال : ما لهذا مترك فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبدالله بن جدعان ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة ، فصنع لهم عبدالله طعاما وتحالفوا وهم في شهر ذي القعدة أي حلف بعضهم لبعض متعاهدين متعاقدين بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة فسمت قريش ذلك الحلف ( خلف الفضول ) وقالوا : فقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ، ثم مشوا إلى العاص بن وائل ، وانتزعوا منه حق الزبيدي ، وفي هذا الحلف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلقا ما أحب أن به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ) .

 سابع الكمالات المحمدية :

 هو رغبة خديجة فيه ، وزواجها به صلى الله عليه وسلم ، إنه صلى الله عليه وسلم لما تجاوز العشرين من عمره ، وحضر حلف الفضول ، وقبله تحكيم قريش له في وضع الحجر الأسود ، واشتهاره بالصدق والوفاء والأمانة والعفة والنزاهة زيادة على شرف الأصل ، وطيب المحتد ، وكان بمكة امرأة سرية ثرية ذات كمالات نفسية من خلق فاضل ، وأدب رفيع تلك هي خديجة بنت خويلد الأسدية القرشية رضي الله عنها ، وقد بلغها من مظاهر الكمال المحمدي ما جعلها تعرض عليه الاتجار بمالها ، ليوفر له دخلا ماليا يستغني به عن كفالة عمه أبي طالب ورفادته ورضي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بالعرض وقبل الطب وخرج في قافلة تجارية إلى الشام ويصحبه لخدمته غلام خديجة المسمى بميسرة .

 ومن الآيات التي شاهدها ميسرة في سفره مع الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه رأى ملكين يظللانه من حر الشمس إذا اشتدت الهاجرة ، كما أنه صلى الله عليه وسلم نزل يوما تحت ظل شجرة قريبة من صومعة راهب فرآه الراهب فسأل ميسرة عنه فقال له : هو رجل من أهل الحرم قرشي ، فقال له الراهب : إنه ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ، وذلك لما شاهد من آيات النبوة التي تلوح لكل ذي بصيرة وتأمل .

 كما قال الأعرابي الذي نظر لأول مرة إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال : والله ما هو بوجه كذاب .
 وعاد الحبيب صلى الله عليه وسلم بتجارة رابحة وسرت بها خديجة ، وزادها سرورا ما أنبأها به غلامها ميسرة من خبر الراهب وأمر الملكين اللذين يظللانه من حر الشمس ، فرغبت لذلك ولغيره في الزواج به صلى الله عليه وسلم وعمره يومئذ خمسة وعشرون عاما ، وعمرها ما بين الخامسة والثلاثين والأربعين من السنين ، وقد تزوجت قبله صلى الله عليه وسلم أبا هالة زرارة التميمي وتزوجت قبل هذا بعتيق بن عائذ المخزومي ، وولدت له بنتا تدعى هندا وبهذا كان كل من هند وهالة ربيبا للنبي صلى الله عليه وسلم .

 وكانت الخطبة كالتالي : بعثت خديجة إليه صلى الله عليه وسلم تقول : يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وحسن خلقك ، وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها ليتزوجها وكانت رضى الله عنها يومئذ من أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا ، وكل واحد من قومها كان حريصا على الزواج بها  لو يقدر على ذلك .
 فذكر صلى الله عليه وسلم لأعمامه ، فخرج معه عمه حمزة بن عبدالمطلب ، وأبو طالب ، حتى دخلا على والدها خويلد بن أسد ، فخطباها إليه فزوجها ، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج غيرها حتى توفاها الله ، وانتقلت إلى جواره ، وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها إلا ما كان من إبراهيم فإنه ابن مارية القبطية المصرية .