من عام الفيل وفي شهر ربيع الأول الذي أصبح يعرف بربيع الأنور ، ومن ليلة الاثنين الثاني عشر منه طلع فجر النبوة المحمدية .
 في بطحاء مكة ، وفي بيت عريق في الشرف بيت شيبه الحمد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي زوج عبد المطلب ولده عبدالله الذبيح سليلة الشرف أشرف فتاة وأعفها وأكملها خلقا وخلقا آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب الزهرية القرشية .

 أما عبدالله الولد فللقبه بالذبيح قصة من أظرف القصص وأطرفها تتشنف الآذان بسماعها ، وتهفو القلوب لذكرها .
 كانت زمزم قد طمرتها جرهم عند مغادرتها مكة لظلمها فانهزامها وكان ذلك منها نقمة على أهلها الذين حاربوها وطردوها وظلت زمزم مطمورة إلى عهد شيبه الحمد عبد المطلب فأري في المنام مكانها وحاول إعادة حفرها ، ومنعته قريش ، ولم يكن له يومئذ من ولد يعينه على تحقيق مراده إلا الحارث فنذر لله تعالى إن رزقه عشرة من الولد يحمونه ويعينونه ذبح أحدهم ، ولما رزقه الله عشرة من الولد وأراد أن يفي بنذره لربه فاقترح على أيهم يكون الذبيح فكانت القرعة على عبدالله ، وهم أن يذبحه عند الكعبه فمنعته قريش ، وطلبوا إليه أن يرجع في أمره إلى عرافة بالمدينة تفتيه في أمر ذبح ولده ، فأرشدته إلى أن يضع عشرا من الإبل وهي دية الفرد عندهم ، وأن يضرب بالقداح على عبدالله وعلى الإبل ، فإن خرجت على عبدالله الذبيح زاد عشرا من الإبل وإن خرجت على الإبل فانحرها عنه فقد رضيها ربكم ، ونجا صاحبكم ، فوصلوا إلى مكة وجيء بالإبل وصاحب القداح ، وقام عبدالمطلب عند هبل داخل الكعبة يدعو الله عز وجل ، وأخذ صاحب القداح يضربها ، وكلما خرجت على عبدالله زادوا عشرا من الإبل حتى بلغت مائة ، كل ذلك وعبد المطلب قائم يدعو الله عز وجل عند هبل فقال رجل من قريش : قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فأبى إلا أن يضرب عنها القداح ثلاث مرات ففعل فكانت في كل مرة تخرج على الإبل ، وعندها رضي عبد المطلب ونحر الإبل وتركها لا يصد عنها إنسان ولا حيوان ، ونجى الله تعالى والحمدالله لا لسواه عبدالله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا سبب لقب عبدالله بالذبيح ، وهو أحب أولاد عبد المطلب العشرة إليه ، وزاده حبا فيه هذه الحادثة العجيبة .

 وأكرم الله تعالى عبدالمطلب بإعادة حفر زمزم إذ وافقته قريش على حفرها ، وكانت موافقتها لآية شاهدتها لعبدالمطلب وهي أنهم لما منعوه من حفرها وأبى عليهم ذلك قالوا نختصم إلى الكاهنة وهي كاهنة بني سعد وكانت بأعالي الشام ، فذهبوا إليها وأثناء سيرهم في طريقهم إليها عطشوا لنفاد مائهم فلما ظنوا الهلاك ، وإذا بعين تتفجر تحت خف ناقة عبدالمطلب فقاموا فشربوا وسقوا وعندها أذعنوا لأمر عبدالمطلب ورضوا له بحفر بئر زمزم خالصة له دون غيره من أهل مكة .

 لقد تزوج عبد الله آمنه زوجة بها والده عبدالمطلب على إثر نجاته من الذبح وفاء بالنذر ، وبنى بها عبدالله وحملت منه بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وواكبت حمله ووضعه أيات نبوته التالية :

 1 - إنه ولد صلى الله عليه وسلم من نكاح شرعي لا من سفاح جاهلي وهي عصمة إلهية لا يقدر عليها إلا الله .

 2 - إن أمه آمنة لم تجد أثناء حملها به صلى الله عليه وسلم ما تجده الحوامل عادة من الوهن والضعف فكان هذا آية .

 3 - إن آمنة لما حملت به صلى الله عليه وسلم ولما وضعته رأت نورا خرج منها فأضاء لها قصور الشام ، فقد سئل صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقال : ( أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ) .

 4 - إن آمنة لما حملت به صلى الله عليه وسلم أتاها آت : إنك حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وضع في الأرض فقولي : أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام فإذا فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض .

 5 - إنه ولد صلى الله عليه وسلم مسرورا أي مقطوع السرة على خلاف المواليد في قطع القوابل سرارهم المتصلة بأمهاتهم .
 6 - إنه ولد صلى الله عليه وسلم مختونا أي مقطوع غلفه الذكر فلم يختن كما يختن المواليد ولهذا أعجب به جده عبدالمطلب وقال : سيكون لابني هذا شأن عظيم وحظي عنده بأكرم منزلة .

 7 - انكسار البرمة التي وضعت عليه بعد ولادته على عادة النساء من قريش ، إذ وجدت منكسرة على شقين ولم يبت تحتها صلى الله عليه وسلم فكانت آية نبوته صلى الله عليه وسلم .

 8 - ارتجاج إيوان كسرى بفارس وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته .

 9 - خمود نار فارس التي لم تخمد منذ ألف سنة .

 10 - امتلاء البيت الذي ولد به نورا ، ورؤية النجوم وهي تدنو منه حتى لتكاد تقع عليه صلى الله عليه وسلم ، رأت هذا أمه والقابلة التي كانت معها وحدثنا به ، هو حق لا باطل وصدق لا كذب .

 ولد صلى الله عليه وسلم بدار الموالد المعروفة بدار محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف ، وهي الآن مكتبة عامة ، وكان ذلك عام الفيل أي بعد غزو أبرهة الأشرم وهزيمته بقرابة خمسين يوما ، فكانت تلك الهزيمة آية أخرى لمحمد صلى الله عليه وسلم دالة على صدق نبوته وصحة رسالته وعظم شأنه في العالمين .
 ولد بعد وفاة والده عبدالله بكذا شهرا ، إذ تركه حملا في بطن أمه وسافر للتجارة في أرض غزة في فلسطين حيث توفي جده هاشم إلا أن عبدالله عاد منها فمرض في طريق عودته فنزل عند أخواله من بني عدي بن النجار فمات عندهم بالمدينة النبوية .