الآداب المحمدية : لقد كان صلى الله عليه وسلم يتجمل بالآداب التالية ويتحلى بها وهي :
  1 - غض الطرف فلا يتبع نظره الأشياء ، وكان جل نظره الملاحظة ، فلا يحملق إذا نظر ، ونظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء .
  2 - إذا مشى مع أصحابه يسوقهم أمامه فلا يتقدمهم ، ويبدأ من لقيه بالسلام .
  3 - إذا تكلم يتكلم بجوامع الكلم ، كلامه فصل ، لا فضول ولا تقصير ، أي على قدر الحاجة ، فلا زيادة عليها ولا نقصان عنها وهذا من الحكمة وكان يقول : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ويقول : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ويبدأ كلامه ويختمه بأشداقه من أجل أن يسمع محدثه ويفهمه لا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت .
  4 - متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليست له راحة ، دمث الخلق ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم منها شيئا ولا يمدحه .
  5 - لا تغضبه الدنيا وما كان لها ، فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر له .
  6 - إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام .
  7 - إذا تكلم تكلم ثلاثا ، وإذا سلم سلم ثلاثا ، وإذا استأذن استأذن ثلاثا ، وذلك ليعقل عنه ويفهم مراده من كلامه نظرا إلى ما وجوب عليه من البلاغ .
  8 - كان يشارك أصحابه في مباح أحاديثهم ، إذا ذكروا الدنيا ذكرها معهم ، وإذا ذكروا الآخرة ذكرها معهم ، وإذا ذكروا طعاما أو شرابا ذكره معهم .
  9 - كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه ، وإذا جلس للأكل نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى .
 10 - كان لا يعيب طعاما يقدم إليه أبدا ، وإنما إذا أعجبه أكل منه ، وإن لم يعجبه تركه ، هذه الآداب مجملة ، وكلها يمكن الاقتداء به فيها ، وهو غاية الطلب وبغية أولي الأرب .

 الأخلاق المحمدية : إن لذوي الأخلاق الفاضلة منزلة عالية ، ففي الحديث الصحيح : ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا )  ، ( إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ) .
 وسئل صلى الله عليه وسلم عن البر ، فقال : ( حسن الخلق ) وسئل عن أي الأعمال أفضل فقال : ( حسن الخلق ) ، ومن هنا كان اكتساب الأخلاق الفاضلة خيرا من اكتساب الذهب والفضة ، والأموال الطائلة ، والطريق إلى ذلك هو الائتساء بالنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم ، إذ هو المثل الأعلى ومن باب حمل المسلم على اكتساب تلك الأخلاق المحمدية الفاضلة .

  الكرم المحمدي : إن الكرم المحمدي كان مضرب الأمثال ، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا وهو واجد ما يعطيه ، فقد سأله رجل حلة كان يلبسها ، فدخل بيته فخلعها ، ثم خرج بها في يده وأعطاه إياها ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : ما سئل رسول الله صلى  الله عليه وسلم شيئا قط فقال : لا ، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا على الإسلام إلا أعطاه ، سأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين ، فأتى الرجل قومه فقال لهم : يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة ، إن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد غلا الدنيا ، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها ، وحسبنا في الاستدلال على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد سئل عن جود الرسول وكرمه فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن ، فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة ، بمعنى أن عطاءه دائم لا ينقطع بيسر وسهولة وها هي ذي أمثلة لجوده وكرمه صلى الله عليه وسلم .

  * حملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ .
  * أعطى العباس رضي الله عنه من الذهب ما لم يطق حمله .
  * أعطى معوذ بن عفراء ملء كفه حليا وذهبا لما جاءه بهدية من رطب وقثاء .
  * جاءه رجل فسأله فقال : ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه ) وكيف لا يكون الحبيب صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجودهم على الإطلاق ، وهو القائل : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما : اللهم اعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ) والقائل أيضا : ( يقول الله تعالى : ابن آدم أنفق أنفق عليك ) .

 الحلم المحمدي : إن الحلم وهو ضبط النفس حتى لا يظهر منها ما يكره قولا كان أو فعلا عند الغضب ، وما يثيره هيجانه من قول سيئ أو فعل غير محمود ، هذا الحلم كان فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم مضرب المثل والأحداث التالية شواهد لحلمه .
   * لما شجت وجنتاه وكسرت رباعيته ودخل المغفر في راسه صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) فهذا منتهى الحلم والصفح والعفو والصبر منه صلى الله عليه وسلم .

   * ولما قال له ذو الخويصرة : اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، حلم عليه وقال له : ( ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ) ولم ينتقم منه ولم يأذن لأحد من أصحابه بذلك .

  * ولما جذبه الأعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت في صفحة عنقه صلى الله عليه وسلم وقال : احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك ومال أبيك ، حلم عليه صلى الله عليه وسلم ولم يزد أن قال : ( المال مال الله وأنا عبده ، ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ) فقال الأعرابي : لا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم ؟ ) ، قال : لأنك لا تكافئ السيئة بالسيئة ، فضحك صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير ، وعلى آخر تمر ، فأي حلم وأي كمال .

  * لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم انتصر لنفسه من مظلمة ظلمها قط ، ولا ضرب خادما ولا امرأة قط ، بهذا أخبرت عائشة رضي الله عنها ، فقالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ، ما لم تكن حرمة من محارم الله ، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما ضرب خادما قط ولا امرأة .

  * وجاءه زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود بالمدينة ، جاءه يتقاضاه دينا له على النبي صلى الله عليه وسلم فجذب ثوبه من منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وقال مغلظا القول : إنكم يا بني عبد المطلب مطل فأنتهره عمر وشدد له في القول ، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء ، وتأمره بحسن التقاضي ) ، ثم قال : ( لقد بقي من أجله ثلاث ) وأمر عمر أن يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه ، فكان هذا سبب إسلامه فأسلم ، وكان قبل ذلك يقول : ما بقي من علامات النبوة شيء إلا عرفته في محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما فأختبره بهذه الحادثة فوجده كما وصف ، هذه قطرة من بحر الحلم المحمدي تذهب ظلمأ من أراد أن يتحلى بالحلم ويتجمل به .

 العفو المحمدي : إن العفو هو ترك المؤاخذة عند القدرة على الأخذ من المسيء المبطل ، وهو من خلال الكمال ، وصفات الجمال الخلقي ،  لقد أمره الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم ( يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ) وامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان مضرب المثل في الخصال الثلاث في صلة من قطعه وإعطاء من حرمه ، والعفو عمن ظلمه والأمثلة الآتية شاهد على ذلك .

  * قالت عائشة رضي الله عنها : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها .

  * تصدى له غورث بن الحارث ليفتك به صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله مطرح تحت شجرة وحده قائلا ، وأصحابه قائلون كذلك ، وذلك في غزاة ، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وغورث قائم على رأسه ، والسيف مصلتا في يده وقال : من يمنعك مني ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( الله ) فسقط السيف من يد غورث ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( من يمنعك ) قال غورث : كن خير آخذ فتركه وعفا عنه ، فعاد إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس ، فهكذا كان العفو المحمدي .

  * لما دخل المسجد الحرام صبيحة الفتح ووجد رجالات قريش جالسين مطأطئي الرؤوس ينتظرون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتح فيهم ، قال : ( يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟ ) قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) ، فعفا عنهم بعدما ارتكبوا من الجرائم ضده وضد أصحابه ما لا يقادر قدره ، ولا يحصى عده ، ومع هذا فقد عفا عنهم ولم يعنف ، ولم يضرب ، ولم يقتل ، فصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

  * سحره لبيد بن الأعصم اليهودي وقد نزل بذلك ، فعفا عنه ، ولم يؤاخذه ، بل لم يثبت أنه لامه أو عاتبه مجرد لوم أو عتاب ، فضلا عن المؤاخذه والعقاب ، فكان موقفه هذا مظهرا من مظاهر العفو المحمدي في أجلى صوره ، وأبهى مظاهره فصلى الله عليه وسلم ما عفا عاف وآخذ مؤاخذ إلى يوم الدين .

  * تآمر عليه المنافقون وهو في طريق عودته من تبوك إلى المدينة ، تآمروا عليه ليقتلوه ، وعلم بهم ، وقيل له فيهم فعفا عنهم ، وقال : ( لا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه ) .

  * جاءه رجل يريد قتله ، فأكتشف أمره ، وظهرت حاله ، فقال له أصحابه : إن هذا جاء يريد قتلك ، فأضطرب الرجل من شدة الخوف وفزع ، فقال له : ( لن تراع ، لن تراع ، ولو أردت ذلك ( أي قتلي ) لم تسلط علي ) لأن الله أعلمه بعصمته له من الناس ، فعفا عنه صلى الله عليه وسلم وقد أراد قتله ، فلم يؤاخذه بل لم يعاقبه فصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
 
 الشجاعة المحمدية : إن الشجاعة خلق فاضل ، ووصف كريم ، وخلة شريفة ، لا سيما إذا كانت في العقل كما هي في القلب وكان صاحبها من أهل الإيمان والعلم ، والشجاعة في القلب عدم الخوف مما يخاف عادة ، والإقدام على دفع ما يخاف منه بقوة وحزم ، وفي العقل المضاء فيما هو الرأي وعدم النظر إلى عاقبة الأمر متى ظهر أنه الحق والمعروف ، وقد كان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم أشجع إنسان على الإطلاق ، فلم تكتحل عين الوجود بمثله صلى الله عليه وسلم ، ومن أدلة شجاعته صلى الله عليه وسلم ومظاهرها ما يلي :

  * شهادة الشجعان الأبطال له بذلك فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان من أبطال الرجال وشجعانهم بلا مراء قال : كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم أي نتقي الضرب والطعام .

  * موقفه البطولي الخارق للعادة في أحد حيث فكر الكماة ، ووجم الأبطال ، وذهل عن أنفسهم الشجعان ، ووقف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجبل الأشم حتى لاذ به أصحابه ، والتقوا حوله ، وقاتلوا حتى انجلت المعركة بعد قتال مرير وهزيمة نكراء حلت بالقوم لمخالفة أمره صلى الله عليه وسلم .

  * في حنين حيث انهزم أصحابه وفر رجاله لصعوبة مواجهة العدو ، من جراء الكمائن التي نصبها وأوقعهم فيها وهم لا يدرون ، بقي وحده صلى الله عليه وسلم في الميدان يطاول ويصاول وهو على بغلته يقول : أنا النبي لا كذب   أنا ابن عبد المطلب ) .

 وما زال في المعركة وهو يقول : ( إلي عباد الله ، إلي عباد الله ) حتى فاء أصحابه إليه ، وعاودوا الكرة على العدو فهزموه في ساعة ، وما كانت هزيمتهم أول مرة إلا من ذنب ارتكبه بعضهم وهو قوله : لن نغلب اليوم من قلة ، إذ هذا القول كان عجبا والعجب حرام .

  * في أحد والمعركة دائرة رأى أبي بن خلف رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، فصاح أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا ، وتقدم على فرسه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعترضه رجال من المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم : ( خلوا طريقه ) وتناول الحربة من يد الحارث بن الصمة ن وانتفض انتفاضة تطاير عنه أصحابه تطاير الوبر من ظهر البعير إذا انتفض ، واستقبله بطعنة نجلاء في عنقه تدأدا منها عن فرسه مرارا وهو يقول : قتلني محمد ، فمات منها بسرف وهو عائد إلى مكة مع جيش المشركين .

  * فزع أهل المدينة ليلة فأنطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت ، واستبرا الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول : ( لن تراعوا ) في هذه يقول أنس بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس .

  * شهادة عمران بن حصين رضي الله عنهما إذ قال وهو صادق : ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب .

  * كانت تلك شواهد شجاعته القلبية ، أما شجاعته العقلية فنكتفي فيها بشاهد واحد ، فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد ، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو وهو يملي وثيقة صلح الحديبية ، إذ تنازل صلى الله عليه وسلم على كلمة بسم الله إلى باسمك اللهم ، وعن كلمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلمة محمد بن عبدالله ، وقد استشاط أصحابه غيظا ، وبلغ الغضب حدا لا مزيد عليه وهو صابر ثابت حتى انتهت ، وكانت بعد أيام  فتحا مبينا فضرب صلى الله عليه وسلم بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين القلبية ، والعقلية ، مع بعد النظر وأصألة الرأي وإصابته فصلى الله عليه وسلم ما بقي شجاعة أو جبن في العالمين

 الصبر المحمدي : إن الصبر هو حبس النفس على طاعة الله تعالى حتى لا تفارقها ، وعن معصية الله تعالى حتى لا تقربها ، وعلى قضاء الله تعالى حتى لا تجزع له ولا تسخط عليه ، هذا هو الصبر في مواطنه الثلاثة وهو خلق من أشرف الأخلاق وأسماها ، وهو خلق مكتسب يحمل العاقل عليه نفسه ويروضها شيئا فشيئا حتى يصبح ملكه لها ثابتة .

  وقد صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصابر طيلة عهد إبلاغ رسالته الذي دام ثلاثا وعشرين سنة ، فلم يجزع يوما ، ولم يتخل عن دعوته وإبلاغ رسالته حتى بلغ بها الآفاق التي شاء الله تعالى أن تبلغها ، وباستعراضنا المواقف التالية تتجلى لنا حقيقة الصبر المحمدي الذي هو أسوة لكل مؤمن ومؤمنة في معترك هذه الحياة .

  * صبره صلى الله عليه وسلم على أذى قريش طيلة ما هو بين ظهرانيها بمكة ، فقد ضربوه وألقوا سلى الجزور على ظهره وحاصروه ثلاث سنوات مع بني هاشم في شعب أبي طالب ، وحكموا عليه بالإعدام ، وبعثوا رجالهم لتنفيذه فيه إلا أن الله سلمه وعصم دمه ، كل هذا لم يرده عن دعوته ، ولم يثن عزمه عن بيانها وعرضها على القريب والبعيد .

  * صبره صلى الله عليه وسلم عام الحزن ، حيث مات خديجة الزوجة الحنون ، ومات العم الحاني الحامي المدافع أبو طالب فلم تفت هذه الرزايا من عزمه ، ولم توهن من قدرته ، إذ قابل ذلك بصبر لم يعرف له في تاريخ الأبطال مثيل ولا نظير .

  * صبره في كافة حروبه في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي الفتح وفي حنين وفي الطائف وفي تبوك ، فلم يجبن ولم ينهزم ولم يفشل ، ولم يكل ولم يمل حتى خاض حروبا عدة ، وقاد سرايا عديدة ، فقد عاش من غزوة إلى أخرى طيلة عشر سنوات ، فأي صبر أعظم من هذا الصبر .

  * صبره على تأمر اليهود عليه بالمدينة وتحزيبهم الأحزاب لحربه والقضاء عليه وعلى دعوته .

  * صبره على الجوع الشديد فقد مات ولم يشبع من خبز شعير مرتين في يوم واحد قط .

  * لقد صبر صلى الله عليه وسلم على كل ذلك فلم يهن ولم تضعف همته ولم تمس كرامته ولم يدنس عرضه ، ولو أوذي غيره بمعشار ما أوذي أو أصابه من البلايا والرزايا دون ما أصابه لتخلى عن دعوته ، وهرب من مسؤوليته ، ووجد في نفسه مبررا لذلك ، ولكن الله عصمه فصبره وجبره ، وحماه وقواه ليبلغ عنه رسالته ، ويجعله آية للناس في صبره وحكمته وعفوه وكرمه وشجاعته وفي سائر أخلاقه فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .

 العدل المحمدي : إن العدل خلاف الجور أمر الله تعالى به ، كيف لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عادلا وهو القائل : ( ثلاثة إجلالهم من إجلال الله تعالى ) وذكر من بينهم الإمام العادل ، وذكر أن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وعد منهم الإمام العادل ، وقال : ( إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة ) وبين أنهم الذين يعدلون في حكمهم وما ولو ، ولذا كان صلى الله عليه وسلم عادلا في قوله وفعله وحكمه ، لا يجوز ولا يحيف ، وكان العدل من أخلاقه وأوصافه اللازمه له ، فقد عرف به في الجاهلية قبل الإسلام ، وهذه مواقف له صلى الله عليه وسلم يتجلى فيها هذا الخلق النبوي الكريم هي :
  * تحكيم قريش له في وضع الحجر الأسود بعد خلاف شديد بينهم كاد يفضي بهم إلى الاقتتال ، فقالوا : بتوفيق من الله تعالى نحكم أول قادم علينا غدا ، فكان صلى الله عليه وسلم اول قادم ، فقالوا : هذا الأمين هذا الحكم رضينا به فحكم بأن يوضع الحجر في ثوب وتأخذ كل قبيلة بطرف ، ثم أخذ الحجر بيديه ووضعه في مكان من جدار البيت ، فحكم فعدل ، وكان مظهرا من مظاهر عدله صلى الله عليه وسلم .

  * لما سرقت المخزومية ، وشق على المسلمين إقامة الحد عليها فتقطع يدها فتوسطوا له بحبه وابن حبه أسمامة بن زيد فرفع إليه القضية ، فقال : ( أفي حد من حدود الله تشفع يا أسامة ، والله لو سرقت فاطمة  بنت محمد لقطعت يدها ) فكان هذا مظهر عظيما للعدل المحمدي .

  * وكانت تحته تسع نسوة ، وكان يعدل ويتحرى العدل ، ثم يعذر إلى ربه وهو مشفق خائف فيقول : ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) .

  * وقوله للأعرابي الذي قال له : اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله : ( ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ، خبت وخسرت إن لم أعدل ) .

  * في الطعام والشراب كان يقول : ( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان ولا بد فاعلا ، فثلث للطعام ، ثلث للشراب ، وثلث للنفس ) وكان صلى الله عليه وسلم يقسم وقته ثلاثة أجزاء : جزءا لربه تعالى ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ويقسم الجزء الذي لنفسه بينه وبين الناس ، فكان يستعين بالخاصة على العامة ، ويقول : ( أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي ، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر ) .
 وكان الحسن يقول : كان رسول الله صلى الله عليه لا يأخذ أحدا بقرف أحد ، ولا يصدق أحدا على أحد ، وهكذا يتجلى خلق العدل في الحبيب صلى الله عليه وسلم بصورة واضحة .
 
 الزهد المحمدي : إن المراد بالزهد الزهد في الدينا ، وذلك بالرغبة عنها ، وعدم الرغبة فيها ، وذلك بطلبها طلبا لا يشق ، ولا يحول دون أداء واجب ، وسد باب الطمع في الإكثار منها والتزود من متاعها ، وهو ما زاد على قدر الحاجة ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول : ( ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) وقد كان صلى الله عليه وسلم ازهد الناس في الدنيا ، وأقلهم رغبة فيها ، حتى كان الزهد خلقا من أخلاقه الفاضلة وسجية من سجاياه الطيبة الطاهرة ، والمواقف الآتية تدل على ذلك وتشهد له :

  * قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو كان لي مثل أحد ذهبا لما سرني أن يبيت عندي ثلاثا إلا قلت فيه هكذا وهكذا إلا شيئا أرصده لدين ) فهذا أكبر مظهر للزهد الصادق الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يعيش عليه ويتحلى به .

  * قوله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد دخل عليه فوجده على فراش من أدم حشوه ليف فقال : إن كسرى وقيصر ينامان  على كذا وكذا ، وأنت رسول الله تنام على كذا وكذا فقال له صلى الله عليه وسلم : ( ما لي وللدنيا يا عمر ، وإنما أنا فيها كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها ) ، فكان هذا أقوى مظهر من مظاهر الزهد المحمدي الصادق .

  * عرض عليه ربه تعالى أن يحول له الأخشبين ذهبا وفضة ، وذلك بعد عودته من الطائف جريحا كئيبا حزينا ، فقال : ( لا يا رب أشبع يوما فأحمدك وأثني عليك ، وأجوع آخر فأدعوك وأتضرع إليك ) .

  * وأكبر مظهر لزهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا سؤاله المتكرر : ( اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا ) وفي لقظ قوتا أي بلا زيادة ولا نقصان ، وكان يقول : ( قليل يكفي خير من كثير يلهي ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى أو أطغى ) .

  * قول عائشة رضي الله عنها مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي ، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير ،  وبالتأمل في هذه المواقف تتجلى الحقيقة واضح وهي أن الزهد الحق كان خلق النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو القائل : ( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ) ، فصل اللهم وبارك وسلم على عبدك ورسولك أزهد الزهاد ، وأفضل العباد إلى يوم التلاقي والميعاد .
 
 الحياء المحمدي :  فهو خلق فاضل كريم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحياء من الإيمان ) وقال : ( الحياء كله خير ، والحياء لا يأتي إلا بخير ، والحياء شعبة من الإيمان ) ، ومن مظاهر الحياء المحمدي التي يتجلى بوضوح ما يلى :

  * رواية الشيخين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيها ، قال :  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من البكر في خدرها ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه .

  * قول عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول : كذا ، ولكن يقول : ( ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا ) ينهى ولا يسمي فاعله .

  * قول أنس بن مالك رضي الله عنه في رواية أبي داود قال : دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم به أثر صفرة فلم يقل له شيئا ، وكان لا يواجه أحدا بمكروه ، فلما خرج قال : ( لو قلتم له يغسل هذه ) أي أثر الصفرة في الثوب .

  * رواية البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وهذا وصفه في التوراة أيضا كما رواه عبدالله بن سلام رضي الله عنه .

  * وكان صلى الله عليه وسلم من شدة حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد ، ويكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره ولا يصرح به .
  * قول عائشة رضي الله عنها : ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأى مني أي من العورة .

   كانت ههذ مظاهر حيائه صلى الله عليه وسلم وشواهده ، وفيها كفاية لمن أراد أن يأتسي به صلى الله عليه وسلم في حيائه وفي سائر أخلاقه .

  خشية الحبيب صلى الله عليه وسلم  وطول عبادته : إن خشية الله تعالى في السر والعلن ثمرة العلم بالله تعالى ربا وإلها ذا جلال وكمال لا حد لهما تقصر الفهوم دون إدراكها ، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم : ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) 

  1 - مظاهر خشيته صلى الله عليه وسلم :

  روي الترمذي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضح جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرض ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى ) ، ويؤكد قوله : ( إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) .

  * ما حدث به عبدالله بن الشخير حيث قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل .

  * ما تقدم عن أبي هالة في وصفه صلى الله عليه وسلم إذ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليست له راحة .

  * ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : ( إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) وفي رواية : ( سبعين مرة ) فهو دائم الاستغفار ، يوما يستغفر سبعين ويوما يستغفر مائة ، وهذامن كمال خشيته وعظيم تقواه لربه عز وجل .

  * ما حدث به عبدالله بن عمر رضي الله عنهما إذ قال : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد قوله : ( رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ) مائة مرة .

  2 - مظاهر طول عبادته صلى الله عليه وسلم :
   * حديث صحيح عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه إذ قال فيه : قام صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له أتكلف هذا وقد غفل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) .

   * ما حدثت به عائشة رضي الله عنها في قولها كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم ديمة ، وأيكم يطيق ما كان يطيق ، كان يصوم حتى نقول : لا يفطر ، ويفطر حتى نقول : لا يصوم ، وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته مصليا ولا نائما إلا رأيته نائما .

   * روى أبو داود في سننه عن عوف بن مالك قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فأستاك ثم توضأ ، ثم قال يصلي فقمت معه فبدأ فأستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول : ( سبحان ذي الجبروت والملك والملكوت والعظمة ) ثم سجد وقال مثل ذلك ، ثم قرأ آل عمران ،  ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك .

  * ما حدثت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالت : قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة هي آخر سورة المائدة .

  * وما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) .

 التواضع المحمدي : 

  1 - مظاهر التواضع المحمدي :

   * أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا ، أو نبيا عبدا فأختار أن يكون نبيا عبدا ، وأخبر أن الله تعالى كافأه على اخيتاره العبودية بأن يكون سيد ولد آدم وأول من تنشق عنه الأرض ، وأول شافع ، فأختياره العبودية على الملوكية أكبر مظهر من مظاهر التواضع المحمدي .

  * حدث أبو أمامة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا فقمنا له ، فقال : ( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعض ) وقال : ( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ) .

  * قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، وإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله ) .

  * في حجة الذي أهدى فيه مائة بدنة حج على بعير فوقه رحل عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم .

  * لوما فتح الله تعالى على رسوله مكة ودخلها ظافرا منتصرا والجيوش الإسلامية قد دخلتها من كل أبوابها دخل راكبا على ناقته ، وإن لحيته الشريفة تكاد تمس قائم رحله تطامنا وتواضعا للله عز وجل وهو موقف لم يقفه غيره في دنيا البشر قط .

  * قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ، ولا تفضلوا بين الأنبياء ، ولا تخيروني على موسى ، ونحن أحق بالشك من إبراهيم ، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي ) .

  * وقوله صلى الله عليه وسلم للذي قال له : يا خير البرية : ( ذاك إبراهيم ) .

  * ما أخبر به بعض نسائه ، وتحدثن وهو أنه صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في مهنة أهله يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ، ويقم البيت ، ويعقل البعير ، ويعلف ناضحه ، ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق .

  * دخل عليه رجل فأصابته من هيبته  رعدة فقال له : ( هون على نفسك ، فإني لست ملكا وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ) .

  * حدث أبو هريرة رضي الله عنه فقال : دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم فأشترى سراويل وقال للوازن : زن وارجح فوثب الوزان إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها فجذب يده وقال : ( هذا تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم ) ثم أخذ السراويل فذهبت لأحملها فقال : ( صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله ) .
 
 المزاح المحمدي : 
    * حدث أنس بن مالك رضي الله عنه فقال : إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأستحمله أي طلب منه أن يحمله على بعير ونحوه ، فقال له صلى الله عليه وسلم : ( إنا حاملوك على ولد الناقة ) فقال الرجل : يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة ؟ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تلد الإبل إلا النوق ) فكان قوله هذا مداعبة للرجل ومزحا معه وهو حق لا باطل فيه .

   * وحدث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل تنالها ليلطمها وقال : ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسمل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه ، وخرج أبو بكر مغضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر : ( كيف رأيتني أنقذتك من الرجل ؟ ) فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما : أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد فعلنا ، قد فعلنا ) .

  * وحدث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( يا ذا الأذنين ) وهي مداعبة ظاهرة وهي حق واضح ، إذ كل إنسان ذو أذنين اثنتين .

  * وحدث أنس بن مالك فقال : كان رجل من أهل البادية يقال له زاهر ، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية إذا أراد أن يخرج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يوما : ( إن زاهرا باديتنا ونحن حاضره ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه ، وكان هو رجلا دميما فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فأحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل ، فقال : أرسلني من هذا ؟ فألتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من يشتري هذا العبد ) فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إذن والله تجدني كاسدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكن عند الله لست بكاسد أنت عند الله غال ) .

  * وروى البخاري رحمه الله أن رجلا كان يقال له عبد الله ويلقب بحمارة وكان مضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يؤتي به في الشراب أي السكر ليقام عليه الحد ، فجيء به يوما فقال رجل : لعنة الله ما أكثر ما يؤتي به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تلعنه ، فإنه يحب الله ورسوله ) فقوله وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم دليل على أنه كان يمازحه حتى يضحك ، والمزاح يكون بين اثنين فكل واحد يمازح الثاني .

  * وحدث أنس بن مالك رضي الله عنه فقال :  كان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يحدو بنسائه يقال له أنجشة فحدا فأعنقت الأبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويحك يا أنجشة أرفق بالقوارير ) أي النساء ، فإطلاق القوارير على النساء مداعبة ظاهرة ووصفهن بالقوارير لضعفهن ، فلو سقطت إحداهن من هودجها لتكسرت .

  * وحدث مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثا فقالت امرأة منهن : يا رسول الله كأن الحديث حديث خرافة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتدرين ما خرافة ؟ ، إن خرافة كان رجلا من بني عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهرا طويلا ، ثم ردوه إلى الإنس ، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم  من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة ) ، والمداعبة في هذا الحديث ظاهرة في الرد على القائلة حديث خرافة فبدل أن يؤنبها لاطفها وداعبها وقص عليها قصة خرافة العذري .

  * حدث الحسن البصري رحمه الله تعالى فقال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة ، قال : ( يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز ) فولت العجوز تبكي .
 * وحدث أن امرأة جاءت تسأل عن زوجها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( زوجل الذي في عينيه بياض ) فبكت وظنت أن زوجها عمي ، فأعلمت أن العين لا تخلو من بياض ، فكانت مداعبته صلى الله عليه وسلم للعجوز ، أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول في مزاحه إلا حقا ، فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه قالوا : يا رسول الله إنك تداعبنا ، قال : ( إني لا أقول إلا حقا ) .
 
  الرحمة المحمدية :  إن الرحمة المحمدية التي أودعها الله تعالى قلب نبيه وصفيه وخليله من عباده محمد صلى الله عليه وسلم رحمة عامة لسائر الخلق .

  1 - الرحمة العامة :

    *  لما كذبه قومه أتاه جبريل وقال له : ( إن الله تعالى قد سمع قول قومك إليك وما ردوا عليك وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ) فناده ملك الجبال وسلم عليه ، وقال : ( مرني بما شئت وإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا ، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ) ، فكان ذها مظهرا من مظاهر الرحمة المحمدية العامة .

   * ركبت عائشة رضي الله عنها جملا ، وكان فيه صعوبة فجعلت تردده أي تذهب به وتجيء تروضه فأتعبته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عليك بالرفق يا عائشة ) فهذا مظهر من مظاهر الرحمة العامة إذ شملت الحيوان .
   * وقوله صلى الله عليه وسلم : ( في كل ذات كبد رطبة أجر ) .

   * وقوله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت ، فلا هي أطعمتها حين حبستها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) .

  2 - مظاهر الرحمة الخاصة :

   * قوله صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) فهذا مظهر من مظاهر الرحمة والشفقة المحمدية على أمته صلى الله عليه وسلم ، وهو من مظاهر الرحمة الخاصة .

   * قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )

   * جاءه صلى الله عليه وسلم أعرابي يطلبه شيئا فأعطاه ، ثم قال له : ( هل أحسنت إليك ) قال الأعرابي : لا ، ولا أجملت ، فغضب المسلمون لمقالته وقاموا إليه ليضربوه على سوء أدبه مع  رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام فدخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا ، ثم قال له : ( أحسنت إليك ) قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك ) قال : نعم فما كان الغد أو العشي جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الأعرابي قال ما قال فردناه فزعم أنه رضي أكذلك ) قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فأتبعها الناس فلم يزدها إلا نفورا فناداهم صاحبها : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحله واستوى عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ) .
 
 الوفاء المحمدي : إن الوفاء بالعهد ، وعدم نسيانه أو الإغضاء عن واجبه خلق كريم ، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالمحل الأفضل ولامقام الأسمى ، والمكان الأشرف ، فوفاؤه ، وصلته لأرحامه كان مضرب المثل ، وحق له ذلك وهو سيد الأوفياء والاولياء والأوصياء والأنبياء من بني آدم .

   * حديث عبدالله بن أبي الحمساء إذ قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث ، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم تذكرت بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال : ( يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك ) .

  * روى البخاري عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بهدية قال : ( اذهبوا بها إلى بيت فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة ، إنها كانت تحب خديجة ) ، أنه يكرم أحباء خديجة وصديقاتها بعد موتها رضي الله عنها .

  * وحدثت عائشة رضي الله عنها فقالت : ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة لما كنت أسمعه يذكرها ، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها ، واستأذنت عليه أختها فأرتاح إليها ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها فلما خرجت قال : ( إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان ) وهكذا يتجلى خلق الوفاء في الحبيب صلى الله عليه وسلم فلم ينس بوفائه من مات فضلا عمن هو حي ويهاب لومه أو عتابه .

 صلته لرحمة : صلة الرحم واجبة ، ومن أقدر الناس على القيام بالواجب من رسول الله .

  * قوله صلى الله عليه وسلم : في أبي العاص بن أمية وكان مشركا ظالما في أول أمره ثم أسلم وحسن إسلامه قال فيه وهو مشرك : ( إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها ) .

  * حدث أبو الطفيل قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه فبسط لها رداءه فجلست عليه ، فقلت : من هذه ؟ قالوا : أمه التي أرضعته .

  * صلاته صلى الله عليه وسلم بأمامة بنت زينب ابنته رضي الله عنها إذ كان يحملها على عاتقه وهو يصلي ، فإذ سجد وضعها وإذا قام حملها على عاتقه ، فهذا مظهر من مظاهر صلة الرحم ، كالذي قبله في بسطه رداءه لمن أرضعته .
  * كان صلى الله عليه وسلم يبعث إلى ثويبة مولاة أبي لهب مرضعته بصلة وكسوة ، فلما ماتت سأل من بقي من قرابتها ، فقيل : لا أحد ، ولو قيل : بقي فلان أو فلانة لوصلهما قياما بواجب صلة الأرحام ، ولو بعدوا ولو كانوا لمجرد رضاع بلا أرحام فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .