إن من سنن الله تعالى في الكون أن الانفراج يكون بعد الشدة ، والضياء يكون بعد الظلام ، واليسر بعد العسر .
 إنه بعد ذلك الظلام الحالك الشديد الذي غطى سماء الحياة البشرية حيث تم ظلام الشرك والكفر والظلم والشر والفساد ، إذ نظر الله تعالى إلى الناس فمقتهم عربهم وعجمهم لما هم عليه من الكفر والشر والفساد إلا بقايا من أهل الكتاب ، في هذا الظروف بالذات أخذت تباشير الصباح تلوح بقرب انبثاق النور المحمدي ، تلوح هنا وهناك في الآفاق المظلمة المدلهمة .
 فأولا : دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
 ثانيا : أخذ الميثاق له صلى الله عليه وسلم .
 ثالثا : بشارات الكتب الإلهيه به .

 ففي التوراة :
 يروي البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قوله قال : وجدت في التوراة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الوحي يقيم به الملة العوجاء ، ويفتح عيونا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا : لا إله إلا الله ) .

 وفي التوراة أيضا :
 تجلى الله من طور سيناء وأشرف من ساعير ، واستعلى من جبال فاران ، فتجليه سبحانه وتعالى من طور سيناء المراد به : إنزاله التوراة على موسى ، وإشرافه من ساعير المراد به : إنزال الإنجيل على عيسى ، واستعلاؤه من جبال فاران : إنزاله القرآن الكريم على المبشر به محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ جبال فاران هي جبال مكة المكرمة .

 وجاء في التوراة أثضا :
 أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ، فالذي يجعل الله تعالى كلامه في فمه لن يكون إلا محمدا صلى الله عليه وسلم إذ هو الذي يقرأ القرآن على ظهر قلب ، ولا ينطق إلا بما جاء فيه ودعا إليه من الحق والهدى والخير .

 وجاء في الإنجيل :
 في تلك الأيام يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود قائلا : تربوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات فقوله : قد اقترب ملكوت السموات إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبشارة به وبقرب بعثته إذ هو الذي ملك وحكم بقانون السماء الذي هو شرع الله تعالى .

 وجاء فيه أيضا :
 قدم لهم مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البذور ، ولكن متى نمت فهي أكبر البقول ، فهذه البشارة هي عينها التي في القرآن .

وجاء فيه أيضا :
 أنطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم ( البار قليط ) فأما إن انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء ذاك الذي يوبخ العالم على خطيئته ، فهذه بشارة كاملة بالنبي الذي يوبخ العالم على خطيئته إذ بعث صلى الله عليه وسلم والعالم كله في ظلمات الشرك والكفر ، وقد مقت الرب تبارك وتعالى الناس عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ، وقد تقدم بيان ذلك .

 وجاء في الزبور :
 ومن أجل هذا بارك الله عليك إلى الأبد فتقلد أيها الجبار بالسيف لأن البهاء لوجهك ، والحمد الغالب عليك ، اركب كلمة الحق ، وسمه التأله ، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك ، وسهامك مسنونة ، والأمم يخرون تحتك .

 قال أشعيا النبي عليه السلام :
 ولد لنا غلام يكون عجبا وبشرا ، والشامة على كتفيه ، أركان السلام الدجيار وسلطانه سلطان السلم يجلس على كرسي داود.
 وقال أيضا :  قيل لي قم ناظرا ، فانظر ماذا ترى ؟ قلت : أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل ، ويقول أحدهما لصاحبه : سقطت أصنام بابل للبحر ، إن الراكبين هما عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وسقوط أصنام بابل كان على يد أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

 وقال حزقيل عليه السلام :
 وهو يصف للناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم : إن الله يظهرهم عليكم ، وباعث فيهم نبيا ، ومنزل عليهم كتابا ، ويملكهم رقابكم فيقهرونكم ويذلونكم بالحق ، ويخرج رجال من بني قيذار في جماعات الشعوب ومعهم ملائكة على خيل بيض متسلحين فيحيطون ، وتكون عاقبتكم إلى النار .

وقال دانيال عليه السلام :

 فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال : السلام عليكم يا دانيال إن الله يقول : إن بني إسرائيل أغضبوني ، وتمردوا علي وعبدوا من دوني آلهة أخرى وصاروا من بعد العلم إلى الجهل ، ومن بعد الصدق إلى الكذب ، فسلطت عليهم بختنصر فقتل رجالهم وسبا ذرياتهم ، وهدم بيت مقدسهم وحرق كتبهم ، وكذلك فعل من بعده بهم ، وأنا غير راض عنهم ، ولا مقيلهم عثراتهم فلا يزالون مغلوبين عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث فيهم نبيا من بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرها ، وأوحي إلى ذلك النبي وأعلمه الأسماء وأزينه بالتقوى ، وأجعل البر شعاره ، والتقوى ضميره والصدق قوله ، والوفاء طبيعته ، والقصد سيرته ، والرشد سنته أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه ، وناسخ لبعض ما فيها ، أسري به إلي من سماء إلى سماء حتى يعلق فأدنيه ، وأسلم عليه ، وأوحي إليه ، ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة ، حافظا لما استودع ، صادعا بما أمر ، يدعو إلى توحيدي باللين من القول ، والموعظة الحسنة لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق رؤوف بمن والاه ، رحيم بمن آمن به ، خشن على من عاداه ، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي ، ويخبرهم بما رأى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه .

 رابعا : شهادات أهل الكتاب :

 قال بعض أهل المدينة ممن أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام فأسلموا لله ظاهرا وباطنا : إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا أنا كنا نسمع من رجال يهود ، إذ كنا أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم ، فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانه إلى الله ، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به ، فبادرناهم إليه فآمنا وكفروا به وكذبوه .

 وقال ابن التيهان اليهودي عند موته بالمدينة وقد جاء من الشام :
 يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخبز إلى أرض البؤس والجوع ، فقالوا له : أنت أعلم ، فقال : إني قدمت هذه البلدة أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه ، هذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه إنه قد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود .

 وقال صاحب عمورية :

 وكان على دين المسيح ، قال لسلمان الفارسي وقد تنقل إليه من رجل دين إلى آخر حتى انتهى إليه بوصية وصي بها ، وقد حضره الموت قال له : والله ما أعلم أنه أصبح اليوم أحد من الناس على مثل ما كان عليه هؤلاء - الرهبان الذين تنقل بينهم سلمان - آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد آظل زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام ، يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينها نخل - إنها المدينة ورب الكعبة - به علامات لا تخفي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق به بتلك البلاد فافعل .

 خامسا : هتاف الجن بالبشرى :

 إن من جملة تباشير الصباح التي سبقت طلوع الفجر المحمدي ، أن كثرت الشهب في السماء ورجمت الشياطين الأمر الذي اندهش له الناس وفزعت له الكهان من نساء ورجال ، وهذا سواد بن قارب رضي الله عنه يمر بين يدي عمر بن الخطاب فيقول له رجل : يا أمير المؤمنين هل تعرف من المار ؟ فيقول عمر : لا ، ومن هو ؟ فيقول له : هذا سواد بن قارب الذي أتاه رئية بظهور النبي صلى الله عليه وسلم وعندها أرسل إليه عمر فجاء فقال له : أنت سواد بن قارب ؟ قال : نعم ، قال أأنت الذي أتاك رئيك من الجن بظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم ، قال : أفأنت على ما كنت عليه من كهانتك ؟ فغضب سواد وقال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك ، فأخبرني بإتيانك رئيك بظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئيي فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارب فاسمع  مقالتي واعقل إن كنت تعقل : إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته .

 سادسا : حادثة أصحاب الفيل :

 إن المراد من حادثة أصحاب الفيل هو غزو أبرهة الأشرم عامل ملك الحبشة على اليمن وكان سبب غزوه مكة حماها الله من كل جبار ظالم أنه أراد التقرب إلى ملك الحبشة لأمر حدث بينهما فبنى بصنعاء بيتا لم ير مثله وسماه ( القليس ) وقال : إنه يدعو الناس لحجه بدل الكعبة في مكة المكرمة ليحول تجارة العرب إلى اليمن ، فسمع بذلك رجل كناني فأتى القليس وأحدث فيه وذهب ، فبلغ ذلك أبرهة ، فحلف أن يغزو مكة ويهدم الكعبة ، جهز جيشا قويا ، وأخرج معه الفيل المسمى محمودا ، وسار في طريقه وكلما اعترضته قبيلة من القبائل العربية لتصده قاتلها وهزمها ، حتى انتهى إلى مشارف الحرم ، فبعث رجاله فساقوا ماشية أهل مكة ومن بينها مائتا بعير لعبد المطلب بن هاشم شيخ مكة ورئيس قريش ، ثم جرت سفارة انتهت بمفاوضات طالب فيها عبد المطلب بإبله ، وأما البيت فقد قال قولا صار مثلا : ( إن للبيت ربا يحميه ) ولما علم عبد المطلب عجز قومه على مقاومة هذا العدو الظالم ذي الجيش العرمرم الجرار أمر أهل مكة أن يلتحقوا بشعاب الجبال وقممها حتى لا تلحقهم معرة الجيش الغازي ففعل ذلك أهل مكة ، ولما أصبح أبرهة ، وتهيأ لدخول مكة ، ووجه الفيل إلى مكة أبى الفيل أن يمشي ، فإذا وجهه إلى غيرها مشى ، وما زال يحاوله حتى أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل من البحر يحمل كل طير ثلاثة حجار ، واحدة بمنقاره واثنتين برجليه فما أصابت رجلا إلا أخذ لحمه يتساقط ، وطلبوا من يدلهم على الطريق ليعودوا هاربين إلى اليمن .
 وانتهت الحال بهزيمة جيش أبرهة وهلاكه ، وأما أبرهة فقد نقل مثخنا بجراحاته إلى صنعاء فمات فيها  .