هذا ما الحدث ذو أهمية كبرى لما بين الحبيب صلى الله عليه وسلم في حجته هذه من شرائع وأحكام وآداب ، وسميت بحجة الوداع لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيها : ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) كان مشعرا بالوداع ، وكذلك كان ، إذ لم يعش بعدها صلى الله عليه وسلم إلا بعضة شهور وتوفاه الله عز وجل ، وتسمى أيضا حجة البلاغ ،لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ فيها الكثير من الأحكام ، إنه لما دخل شهر ذي القعدة أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يتجهز وأمر الناس بالجهاز كذلك معلنا لهم أنه يريد الحج ، ولما بقي خمس ليال من شهر ذي القعدة استعمل صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا دجانة أو سباع بن عرفطة الغفاري ، وخرج وخرج المسلمون معه وهو لا يريد إلا الحج ، فلما كان بوادي العقيق على سبعة أميال من المدينة نزل عليه جبريل عليه السلام بالسلام من رب العالمين ، فقال له : ( إن ربك يقرئك السلام ويقول لك ، إنك بالوادي المبارك فصل فيه وقل عمرة وحجة ) وخير أصحابه بين الإفراد والتمتع والقران فمنهم من أهل بحج ، ومنهم من أهل بعمرة ، ومنهم من أهل بحج وعمرة ، وساروا حتى إذا بلغوا سرف حيث جاءت عائشة رضي الله عنها العادة الشهرية فبكت وطمأنها الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله : ( هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فأفعلي يا عائشة كل ما يفعله الحاج إلا إنك لا تطوفين بالبيت حتى تطهري ) ثم أمر من لم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة تخفيفا عليهم ورحمة بهم وبمن يأتي بعدهم .

 ولما دخل مكة طاف بالبيت وسعى ولم يتحلل لسوقه الهدي ، وبقي بعض أصحابه مفردين وليس معهم هدي فلم يتحللوا فأمرهم بالتحلل ، وقال مرغبا : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة ) فحلوا من إحرامهم ، وسألوه : هل هذا لعامنا هذا خاصة أي التحلل بالعمرة ؟ ، فقال : ( لا ، بل ، لأبد الأبد ) ، أي يجوز لأي مسلم يأتي مفردا بالحج وليس معه هدي أن يفسخ الحج إلى عمرة .

 ومكثوا بمكة محلين حتى يوم التروية فأحرموا بالحج وخرجوا إلى منى وباتوا بها وبعد صلاة الصبح من يوم عرفة تساع ذي الحجة ، خرجوا إلى عرفة وعلم أثناء ذلك الناس مناسكهم وسنن حجهم ، وخطب خطبة بعرفة لم يسمع مثلها في طولها ولما اشتملت عليه من الشرائع والهدي .

 (( أيها الناس اسمعوا قولي : فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا
 أيها الناس أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، وإن كل ربا موضوع ، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، قضى الله أنه لا ربا ، وإن ربا العباس بن عبدالمطلب موضوع كله وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب وكان مسترضعا في بني ليث ، فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .

 أما بعد ، أيها الناس فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكن إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم ، أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاث متوالية ، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان .

 أما بعد أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله ، فأعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه .

 أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسه منه ، فلا تظلمن أنفسكم ، اللهم هل بلغت )).

 فقال الناس : اللهم نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اللهم فأشهد )) .

 (( أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه ، وإنه لا تجوز وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ) .

وإنه صلى الله عليه وسلم بعد أن زالت الشمس وصلى بالناس وخطبهم أتى جبل عرفة فوقف في سفحه وقال : ( وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ) ولما غربت الشمس ، ركب إلى مزدلفة ، فوصلها بعد العشاء جمعا ، وبات بها ، ولما طلع الفجر ، صلى الصبح ووقف على جبل قزح وقال : ( وقفت هاهنا ومنى كلها منحر ) ، ثم أفاض من يومه وعاد إلى منى ، فبات بها ثلاث ليال يرمي الجمرات الثلاث بعد زوال كل يوم ،يبدأ بالصغرى ، ويختم بالكبرى وخطب أيام منى وعلم كل ما الأمة في حاجة إليه إلى يوم الدين ، ولذا كانت هذه الحجة تسمى حجة البلاغ كما تسمى حجة الوداع ، لأنه صلى الله عليه وسلم ودع أمته فيها إذ لم يحج بعدها ، فصلى الله عليه وسلم يوم ولد ويوم دعا وجاهد ويوم حج واعتمر ويوم ودع ويوم مات بالتحق بالرفيق الأعلى في جنة عرضها السموات والأرض .