وفي السنة الثانية بلغت غزواته فيها ثماني عشرة غزوة وسرية
  * غزوة الأبواء : كانت هذه الغزواة المسماة بالأبواء ، أو ودان لقرب ما بين الأبواء وودان ، إذ ما بينهما من مسافة قد لا تزيد على ستة أميال ، وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت في صفر ، وسببها أنه صلى الله عليه وسلم بلغه مرور بعير لقريش بالأبواء ، ووجود بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة في المنطقة فخرج لذلك ، بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة رضي الله عنه ، ولما وصل إلى ديار بني ضمرة ، وادعته هذه القبيلة بواسطة سيدهم وصاحب الأمر فيهم مخشي بن عمرو الضمري ، وفاتت بعير قريش ، فعاد صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا ، غير أنا أقام بالأبواء بقية صفر وعاد في ربيع الأول ، وكان لواؤه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة أبيض يحمله عمه حمزة رضي الله عنه .

  * غزوة بواط : وبعد عودته صلى الله عليه وسلم من غزوة ودان أو الأبواء في ربيع الأول من هذه السنة الثانية من هجرته المباركة استخلف على المدينة النبوية السائب بن عثمان بن مظعون أو سعد بن معاذ رضي الله عنهما ، وخرج في نفس شهر ربيع الأول في مائتي راكب يريد بعير قريش عليها مائة رجل من بينهم أمية بن خلف ، وتعداد أبعرتها يبلغ ألفين وخمسمائة بعير .

 فسار صلى الله عليه وسلم ولواؤه مع سعد بن أبي وقاص حتى بلغ بواط من ناحية جبل رضوى جهة ينبع النخل فلبث ببواط بقية شهر ربيع الثاني ، وعاد في أوائل جمادى الأولى إلى المدينة دار هجرته المباركة ، ولم يلق كيدا ، وذلك لعدم اصطدامه بعير قريش حيث فاتت ونجت بتدبير الله عز وجل وإرادته ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وحسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم اجتهدوا باذلين الأسباب ، وليس عليهم إلا ذلك ، أما بلوغ الأرب والحصول على المطلوب فهو لله عز وجل ، وهو يعطي ويمنع لحكم عالية يجب التسليم له في ذلك والرضا بما قضى .

 * غزوة العشيرة :  في آخر جمادي الأولى ، وبعد عودته في أول الشهر من غزوة بواط بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر من بعير لقريش ذاهبة إلى الشام ، فعزم على السير إليها لعله يظفر ببعضها .

 فخرج صلى الله عليه وسلم بعد أن استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، وأعطى اللواء إلى عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وسار حتى نزل العشيرة من بطن ينبع ، ولم يلق من بعير قريش لفواتها ، ولكنه صلى الله عليه وسلم وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، فكان في ذلك خير للإسلام والمسلمين ، فأقام بالمنطقة بقية جمادي الأولى ، وليالي من جمادي الآخرة ، وعاد إلى المدينة ، ولم يلق كيدا من أحد .

 * غزوة بدر الأولى : إن سبب هذه الغزوة هو أن كرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة أي ماشيتها من إبل وغنم وبقر وذلك بعد عودته النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة العشيرة ببضعة أيام ( عشرة فأقل ) .
 فلما أغار كرز على سرح المدينة خرج الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في طلبه لافتكاك الماشية منه ، فأستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة مولاه ، وأعطى اللواء علي بن أبي طالب ، وسار في طلب كرز حتى بلغ واديا يقال له سفوان في ناحية بدر ، وفاته كرز فلم يدركه ، فسميت هذه الغزوة بغزوة بدر الأولى ، إذ انتهى فيها مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرب بدر ، وصفت بالأولى لأن بعدها بدرا الكبرى التي نصر الله فيها الرسول والمؤمنين على أبي سفيان والمشركين وهناك بدر الآخرة .

 * سرية عبدالله بن جحش إلى نخلة بين مكة والطائف : هذه السرية شاء الله تعالى أن تكون سببا قويا في غزوة بدر الكبرى ، ومقدمة عجيبة لها ، إذ كانت هذه السرية في رجب من هذه السنة الثانية ، وكانت غزوة بدر الكبرى في رمضان من هذه السنة فما بين سرية ابن جحش وبدر الكبرى إلا شهر شعبان لا غير ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة عامر بن الجراح أن يتجهز للغزو ، فأطاع وتجهز ، فلما أراد المسير بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي تألم لفراقه ولم يطقه فبكى حنينا وشوقا ، فلما رأى منه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحبيب المحب تركه وبعث غيره وهو عبدالله بن جحش ، وبعث معه ثمانية رجال من المهاجرين ، وكتب له كتابا عهد له فيه بأمور ، وأمره أن لا يقرأه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه ، ويمضي لما أمره ، ولا يكره أحدا من أصحابه ، ففعل ، ولما سار اليومين فتح الكتاب ونظر فيه ، فإذا فيه الأمر بالنزول بنخلة ، وهي مكان بين مكة والطائف ، يرصد فيه قريشا ويعلم أخبارها وتحركاتها وتدابيرها العسكرية الحربية ، فأعلم عبدالله أصحابه فساروا معه ، وكان سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن زغوان قد أضلا بعيرا لهما كانا يتعقبانه ، فتخلفا يطلبانه ، فسار عبدالله مع بقية أصحابه حتى نزلوا نخلة ، فمرت بعير لقريش تحمل زبيبا وغيره ، وفيها عمرو بن الحضرمي ، وعثمان بن عبدالله بن المغيرة ، وأخوه نوفل ، والحكم بن كيسان ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وقد حلق رأسه ، فلما رأوه حالقا رأسه أمنوا بعد أن خافوهم ، إذ قالوا : لا بأس هؤلاء عمار .

وتشاور أفراد السرية الإسلامية ، وكان اليوم هو آخر يوم من رجب ، لئن تركناهم هذه الليلة دخلوا الحرم ، وامتنعوا منا ، ولئن قاتلناهم الليلة قاتلناهم في الشهر الحرام فتردد القوم ، ثم تشجعوا على قتل من يقدرون عليه منهم ، لأن جرائم المشركين أعظم من القتل في الشهر الحرام ، فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وهرب نوفل فطلبوه فأعجزهم هربا .

 وأقبلوا بالقافلة والأسيرين عائدين إلى المدينة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر بعض آل عبدالله بن جحش أن عبدالله قال لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ، فعزل له خمس البعير ، وذلك قبل أن ينزل فرض الخمس ، وإنما كان بإغلهام من الله تعالى لعبدالله بن جحش صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم قتالهم في الشهر الحرام ، فوقف البعير والاسيرين ، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك .
 فلما فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي السرية ، وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون على صنيعهم هذا ، وأذاعت قريش الخبر مشنعة أكبر تشنيع : أن محمدا وأصحابه استحلوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا الأموال وأسروا الرجال ، واعتذر من اعتذر لهم بمكة من المؤمنين ، وقالوا : إنما أصابوا من أصابوا في أول ليلة من شعبان وليس في رجب الحرام كما أشيع ، إذ آخر يوم من رجب جائز أن يكون أول يوم من شعبان .

 وانتهت تلك الضجة وبعث قريش تطلب فداء أسيرها ، وأرجأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرجع سعد بن ابي وقاص وزميله عتبة بن زغوان ، إذ تأخرا عن السرية في طلب بعيرهما ، ولما وصل سعد وعتبة أفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عبدالله فلحق بمكة أما الحكم بن كيسان فقد أسلم وحسن إسلامه ، فلم يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين ، واستشهد الحكم يوم بئر معونة فرضي الله عنه وأرضاه .

 * غزوة بدر الكبرى : لهذه الغزوة الفاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، والمعنون لها في القرآن بيوم الفرقان ، لها خطوات قبل الالتقاء فيه ، ومن هذه الخطوات التي تمت من الجانبين .

 1 - قافلة تجارية كبرى لقريش خرجت من الشام يقودها أبو سفيان ورجاله في طريقها إلى مكة المكرمة .

 2 - يصل خبر القافلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فينتدب بعض أصحابه لاعتراضها إذا مرت بالحجاز لعل الله تعالى ينفلهم أياها أي يرزقهم ما تحمله من بضائع وسلع نافعة وعظيمة ، وهم أحوج ما يكونون إلى ذلك لأن أموالهم تركوها بمكة وفروا بأنفسهم مهاجرين فصادرتها قريش منهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : ( هذه بعير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ) فخفف بعض ، وثقل بعض ، لأن الأمر ما كان ملزما وإنما هو مجرد عرض لا غير ، كما أنهم ما كانوا يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيواجه حربا ولقى قتالا .

 3 - أبو سفيان يدنو من الحجاز بقافلته وها هو ذا يتحسس الأخبار ويسأل كل من يلقى عن الركبان خوفا من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يعترضوا طريقه ، وفعلا أصاب خبرا من بعض الركبان مفاده أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه له ولبعيره ، فقوي بذلك خوف أبي سفيان فأستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة ليستنفر قريشا فيخرجوا لحماية بعيرهم التي بها أموالهم .

 4 - في مكة ترى عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أفزعتها ، وذلك قبل قدوم ضمضم الغفاري مكة بثلاث ليال ، فتبعث إلى أخيها العباس رضي الله عنه فتقول له : يا أخي لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوفت أن يدخل على قومك شر ومصيبة ، فقال لها : وما رأيت ؟ ، قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يال غدر لمصارعكم في ثلاثت ، فرأى الناس قد اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس سنعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها : ألا انفروا يال غدر لمصارعكم في ثلاث ، ثم مثل به بعيره على رأس جبل أبي قبيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة .

 فقال لها العباس : والله إن هذه الرؤيا فاكتميها ولا تذكريها لأحد ، واستكتمته إياها إلا أنه قصها على الوليد بن عتبة صديقه واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه ، ففشت حتى بلغت أبا جهل فغضب لذلك ، فلما رأى العباس يطوف بالبيت ناداه : يا أبا الفضل إذ فرغت فأقبل إلينا ، فلما جاءه قال له : يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النية ؟ ، قال العباس : وما ذاك ؟ ، قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ، قال العباس : وما رأت ؟ ، قال : يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، لقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث فسنتربص هذه الثلاثة ، فإن يك حقا ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب ، وبعد ثلاث وصل ضمضم بن عمرو الغفاري ، ووقف على بعيره ببطن الوادي ، وقد حول رحله وشق قميصه وجدع بعيره وهو يصرخ بأعلى صوته قائلا : اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه ، لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث ، وتجهزت قريش وهم يقولون : أيظن محمد وأصحابه أن نكون كبعير ابن الخضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك ، ولما أجمعت قريش المسير ذكرت ما كان بينها وبين بني بكر من حرب فخافت أن تضرب من خلف إلا إن إبليس جاءهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة فقال لهم : أنا جار لكم فلا تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فطمأنهم بهذا فمشوا سراعا .

 5 - وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه ، وذلك يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان ، واستخلف على المدينة عبدالله بن أم مكتوم إلا أنه رد أبا لبابة من الروحاء ، واستخلفه على المدينة ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وكان أمامه صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان : العقاب وكانت مع علي بن أبي طالب ، والأخرى مع بعض الأنصار ، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ، وليس معهم إلا فرسان ، فرس الزبير بن العوام ، وفرس المقداد بن عمرو ، ثم سلكوا طريق العقيق على فج الروحاء ونزل صلى الله عليه وسلم ببئر الروحاء ثم ارتحل منها فترك طريق مكة على يساره ، وسلك ذات اليمين ، وقطع الوادي إلى مضيق الصفراء ، ثم بعث بسبس الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان وبعيره ، ثم سار سالكا ذات اليمين على وادي ظفران ، ولما قطعه نزل ، وقد أتاه صلى الله عليه وسلم الخبر عن مسير قريش ليمنعوا بعيرهم ، فاستشار الناس وأخبرهم عن مسير قريش ، فقام أبو بكر فقال وأحسن ثم قام عمر فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم امض لما أمرك الله به فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى ، ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له به .

 ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشيروا على أيها الناس ) فوقف سعد بن معاذ وقال : والله لكأنك تعنينا يا رسول الله ، قال : ( أجل ) فقال سعد : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا فامض يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردت ونحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا أحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم لقول سعد ونشطه ، فقال : ( سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ) .

 وكان المعسكر الإسلامي قد بعث بسبس بن عمرو وعدي بن الزغباء يتحسسان أخبار العدو ويرقبان تحركاته ، فنزلا على تل قريب من ماء ، ثم نزلا يسقيا نالماء في شن لهما ، وعلى الماء رجل يقال له مجدي بن عمرو الجهني فسمع بسبس وعدي صوت جاريتين تقول أحداهما لصاحبتها : إنما تأتي البعير غدا أو بعده فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك ، فسمع عدي وصاحبه حيثهما وما دل عليه فجلسا على بعيرهما وأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بما سمعا من خبر ورود البيعر غدا أو بعد غد ، إلا أن أبا سفيان لحذره وشدة توقعه تقدم البعير إلى ماء بدر فوصله ووجد مجديا فسأله قائلا هل أحسست أحد ؟ ، قال: ما رأيت أحد أنكره إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم اسقيا في شن لهما ثم انطلقا ، فأتي أبو سفيان مناخهما وأخذ من بعر ناقتهما ففتته فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علاف يثرب ، فرجع إلى البعير سريعا فحولها عن طريقها فأخذ الساحل وترك بدرا يسارا ، وانطلق مسرعا وبذلك نجت البعير بكل ما فيها .

 وأرسل أبو سفيان إلى قريش يخبرهم أن البعير قد نجاها الله فأرجعوا فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدرا ، وكانوا بالجحفة فنقيم عليها ثلاثا فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب ، وترى مسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا ، وكانت بدر سوقا سنويا يجتمع فيه الناس ، ورفض الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة ، فقال : يا بني زهرة ارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بالمسير إلى بدر ، إذ نجى الله أموالكم وخلص صاحبكم وهو مخرمة بن نوفل فرجعوا إلى مكة ، فلم يشهدوا بدرا ، وسارت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى .

 ولما استقرت قريش في معسكرها بعثت عمير بن وهب الجمحي يحزر لها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأجال فرسه حول المعسكر الإسلامي ثم رجع ، فقال : ثلثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر ما إذا كان للقوم كمين أو مدد ، وضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال : ما وجدت شيئا ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم ، فلما سمع حكيم بن حزام ما قال عمير أتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك إلا أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ ، قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي ، قال : قد فعلت فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية ( أبا جهل ) فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره إلا أن عتبة قام خطيبا فقال : يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون شيئا بلقائكم محمدا وأصحابه ، والله  لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته فأرجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ماتريدون .

 في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة تلاقى فريق التوحيد مع فريق الشرك ، وقد قلل الله كلا من الفريقين في عين الآخر ، وبدأت المعركة فرمى المشركون مهجعا مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بسهم فكان أول قتيل من المسلمين في المعركة ، ثم رمى حارثة بن سراقه أحد بني عدي بن النجار و هو يشرب من ماء الحوض بسهم ،فأصاب نحره فقتل وهو الذي جاءت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاد إلى المدينة وقالت : يا رسول الله أخبرني عن حارثة ، فإن كان في الجنة صبرت ، وإلا فليرين الله ما أصنع تريد من البكاء والنياحة عليه ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويحك أهبلت ، إنها جنان ثمان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ) وخرج من معسكر المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه ، فخرج إليه حمزة رضي الله عنه ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبر يمينه وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض ، فكان أول قتيل من المشركين في بدر .

 من سنة الحرب عند الأولين أنهم يبدأون المعركة بالمبارزة بأن يطلب أحد المعسكرين المبارزة من الآخر من باب إثارة الحمية وتهييج المقاتلين ، وهنا في غزوة بدر خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبه وابنه الوليد بن عتبة بن ربيعة فدعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ، وهم عوف ومعوذ ابنا عفراء ، وعبد الله بن رواحة فسألوهم : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : ما لنا بكم من حاجة ، ثم نادى مناديهم : يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي ) ، فلما قاموا ودنوا منهم قالو : من أنتم ؟ ، قال عبيدة : عبيدة وقال حمزة : حمزة ، وقال علي : علي ، قالوا : نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز علي الوليد بن عتبة  ، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وكذلك علي لم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين فأثبت كلاهما صاحبه ، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما وحازاه إلى معسكرهم .

 ثم ظهر النبي صلى الله عليه وسلم للناس ، فحرضهم على القتال ، فقال : ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر غلا أدخله الله الجنة ) فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن : بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه ثم تقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عفراء وهو عوف بن الحارث فقال : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبادة ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ1 سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه ، وهنا تقدم الحبيب صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من الحصباء فأستقبل قريشا بها وقال : ( شاهت الوجوه ) ثم نفحهم بها ، وأمر أصحابه وقال : ( شدوا ) وعاد إلى العريش واقتتل الفريقان وكانت الهزيمة للمشركين فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم ، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون كان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ساعتئذ في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من كر العدو عليه .

 ودارت المعركة وشاركت فيها الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام وكان عددهم ألف ملك في صورة رجال عليهم عمائم بيض أرسلوها على ظهورهم إذ شوهد بعضهم وأخبر بهم الرسول صلى الله عليه وسلم تطلبون الغوث منه لأنهم رضي الله عنهم ضجوا بالدعاء عند ملاقاة المشركين سائلين الله تعالى أن يمدهم بنصر منه ، فبعض الملائكة قاتل بالفعل وبعض كان يثبت قلوب المؤمنين حتى تصبر على القتال .

 ولقد انتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين إذ قتل من صناديد قريش سبعون وأسر منهم سبعون ، وكان من بين القتلى الطاغية  أبو جهل ، وعتبة بن ربيعة وولده الوليد  بن عتبة وأخوه شيبه بن ربيعة ، وحنظلة بن أبي سفيان ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبو البختري ، وعبيدة بن سعيد بن العاص ، ونوفل بن خويلد ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، والعاص بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم إذ كانوا سبعين قتيلا .

 ومن بين الأسرى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وعمرو بن أبي سفيان وأبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير ، وسهيل بن عمرو أحد ساسة قريش البارزين .

 غزوة بني قينقاع : بنو قينقاع هم إحدى طوائف اليهود الثلاث الذين كانوا نزلوا المدينة النبوية قبل الإسلام بزمن طويل فرارا من اضطهاد الروم لهم وانتظارا للنبوة المحمدية المبشر به افي التوراة والإنجيل ، ولما حل النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرا السنة الماضية أى الأولى من الهجرة عاهدهم معاهدة سلم وحسن جوار وقد تقدمت وثيقتها تحمل نصوص موادها .
 وقد نافق كثير من أحبارهم ووالوا المشركين في الخفاء ، وكانوا يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدوائر ، ولما خرج صلى الله عليه وسلم إلى بدر فرحوا ظنا منهم أن المسلمين سيهزمون ، وتخضد شوكتهم ، ويأفل نجم قوتهم ، ولما كان النصر للمسلمين والهزيمة للمشركين شرقوا بريقهم ، وكشروا عن أنيابهم ، وقالوا قالة السوء .
 فما كان من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن جمعهم في سوق بني قينقاع ، وقال لهم في جملة ما قال : ( احذروا ما نزل بقريش وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ) فقالوا : يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فاصبت منهم فرصة ، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس  .

 ومضت أيام قلائل وجاءت امرأة مسلمة بجلب لها فباعته بالسوق ، ومالت إلى صائغ يهودي لتشتري منه مصاغا فجلست وحوله يهود فعابوا عليها لستر وجهها ، وطالبوها بكشف وجهها ، فأبت ذلك حفاظا على عفتها ، وصيانة لشرفها ، من أن تبذل وجهها ينظر إليها غير محارمها ، فما كان من أحد أولئك اليهود إلا أن غافلها وربط طرف درعها من أسفله بطرف خمارها ، فما قامت انكشفت عورتها فصاحت واكاشفتاه ، فسمعها رجل مسلم فهب إليها فرأى ما بها فضرب اليهودي ضربة قتله بها .

 وقام يهود فأشتدوا على المسلم فقتلوه فمات شهيدا رضي الله عنه وأرضاه وهب رجال من المسلمين للحادث فأقتتلوا مع اليهود وبهذا نقض يهود بني قينقاع عهدهم ، وطرحوا معاهدتهم فنزلوا حصونهم فتحصنوا بها فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم نصف شهر حتى نزلوا من حصونهم على حكمه صلى الله عليه وسلم ، ربطوا بحبال في أيديهم وأرجلهم لقتلهم بموجب بنود المعاهدة المعقودة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 وقبل تنفيذ الحكم فيهم توسط في خلاصهم والعفو عنهم حليفهم عبدالله بن أبي كبير المنافقين فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم وكلمه فيهم وقال : إنهم موالي فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وانتهر ابن أبي ، وقال له : ( ويحك أرسلني ) إذ قد أخذ المنافق بردائه صلى الله عليه وسلم والرسول معرض عنه غضبان ، فقال المنافق : لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي ، وهم أربعمائة حاسر أي بدون دروع ، وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة ، وإني والله لأخشى الدوائر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هم لك خلوهم ) .

 ولما أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشفاعة ابن أبي خرج بهم عبادة بن الصامت إلى أن وصل بهم ذبابا ، ثم ساروا وحدهم إلى أذرعات من الشام ، ولم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بين أصحابه وأخذ خمس الغنيمة لينفقه فيما أمر تعالى أن ينفقه فيه .

 * غزوة الكدر : بعد عودته الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر وإجلاء بني قينقاع من اليهود لغدرهم وخيانتهم بلغه أن بني سليم قد تجمعوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماء لهم يقال له ( الكدر ) فسار إليهم صلى الله عليه وسلم بعد أن استخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه ، وكان لواؤه عليه الصلاة والسلام مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فواصل سيره طالبا جموع بني سليم التي تجمعت لحربه صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ماءهم ( الكدر ) فلم يجد عنده أحد ، وإنما وجد نعما ورعاء فساق ذلك وعاد به إلى المدينة النبوية ، ولم يلق بالكدر كيدا ، وبعد أيام أرسل صلى الله عليه وسلم غالب بن عبدالله الليثي في سرية إلى بني سليم وغطفان فقتلوا فيهم وغنموا النعم واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر  رحمهم الله تعالى ورضي عنهم .

 * غزوة السويق : أنه بعد هزيمة قريش في معركة بدر وما اصاب رجالها من قتل وأسر آلى أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابه حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم ويشفي صدره بقتل أصحابه أو أسرهم ، ولما لم يجد طريقا إلى ذلك وطالت به مدة حلفه أراد أن يتحلل من يمينه فانتدب مائتي راكب من قريش وخرج يقودهم إلى المدينة لغزوها فوصلها ليلا فترك رجاله خارجها وأتي حيي بن أخطب النضري اليهودي ، فقرع عليه الباب فلم يفتح له تخوفا منه ، فأتى سلام بن مشكم وهو سيد بني النضير وصاحب خزانة أموالهم فأستأذنه ، فأذن له ودخل وأطعمه وسقاه وأطلعه على ما يجري في المدينة من أمور هامة ، ثم خرج من عنده ليلا فأتى رجاله فأمر عددا أن يدخلوا المدينة وأن يحرقوا بعض نخيلها ، فأتوا ناحية العريض شرق المدينة وحرقوا أصوارا من النخل ، ووجدوا فلاحا وحليفا له فقتلوهما ، وانصرفوا راجعين إلى مكة ، وما إن وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرج في أصحابه طالبا لأبي سفيان ورجاله ففاتوه هاربين ، وكان معهم سويق هو زادهم في غزوتهم فألقوه في الأرض ليتخففوا منه وهم هاربون فوجده النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذوه ، وبذلك سميت هذه الغزوة بغزوة السويق ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ولم يلقوا كيدا ، فسأل بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتطمع أن تكون لنا هذه الغزوة ؟ ، قال صلى الله عليه وسلم : ( نعم ) .

 * غزوة ذي أمر : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا من غطفان من بني ثعلبة بن محارب قد تجمعوا عند ماء يقال له ( ذو أمر ) من أرض نجد ليحاربوه صلى الله عليه وسلم فسار إليهم في أربعمائة وخمسين رجلا ، وكان ذلك يوم الخميس لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث من الهجرة ، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وسار حتى بلغ ماء ( أمر ) فعسكر حوله ، وقد هرب الأعراب الذين تجمعوا لحربه صلى الله عليه وسلم ، والتحقوا برؤوس الجبال وكان قد نزل عليهم مطر غزير بل الثياب ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ابتلت ثيابه الطاهرة جلس تحت شجرة ، ونشر ثيابه لتيبس من البلل ، فرآه المشركون المعتصمون برؤوس الجبال خاليا وحده ، فنزل رجل منهم يقال له غورث ، أو دعثور بن الحارث نزل بإيعاز من إخوانه المشركين ، وكان أشجعهم وأقدرهم على القتال ، ومشى حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سل سيفه وقال : يا محمد من يمنعك اليوم مني ؟ وهم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( الله ) ، فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لدعثور : ( من يمنعك مني ؟ ) ، فقال : لا أحد ، وأنا أشهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ووالله لا أكثر عليك جمعا أبدا ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فرجع إلى قومه ، فقالوا له : ويلك ما لك ؟ فقال لهم : نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري ، فعرفت أنه ملك ، وشهدت أن محمدا رسول الله ، ووالله لا أكثر عليه جمعا وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ، وعاد صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ولم يلقوا كيدا .

 * غزوة الفرع من بحران :  ببحران ( معدن بالحجاز ) ناحية الفرع تجمع بنو سليم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وعلم صلى الله عليه وسلم بتجمعهم لحربه ، فأنتدب أصحابه ، وخرج إليهم في ثلثمائة رجل بعد أ ناستخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه ، وسار إليهم ، فلما علموا بمسيره إليهم تفرقوا ، وكان هذا مصدق قوله صلى الله عليه وسلم : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) ، فرجع صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا وكانت مدة الغياب عن المدينة عشرة أيام .
 
 * سرية زيد بن حارثة إلى القرد : لما هزمت قريش في بدر وعرفت أنها غير قادرة على حماية قوافلها التجارية عبر طريق قوافلها القديم ، والذي كان يمر قريبا من المدينة إلى مكة غيرت طريقها الأول ، وصارت تسلك طريق العراق إلى الشام ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بلغه أن بعيرا لقريش تحمل كميات هائلة من الفضة ، وأنها سلكت طريق العراق انتدب لها سرية من أصحابه بقيادة زيد بن حارثة حب الحبيب صلى الله عليه وسلم ومولاه ، فسار زيد مع أفراد سريته حتى انتهوا إلى ماء يقال له ( القردة ) وعليه بعير قريش ، فهرب أهل القافلة وهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وآخرون ، وغنم زيد مع رجاله القافلة بما فيها ، وأسروا معها الدليل وهو فرات بن حبان من بني بكر بن وائل استأجره أبو سفيان ليدلهم على مسالك الطريق الجديد لقوافلهم .

 ولما وصل زيد المدينة سلم الغنائم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنها الأسير فرات بن حبان الوائلي ، وأسلم فرات وحسن إسلامه ، وقسم الرسول صلى الله عليه وسلم الغنائم بعد أن خمسها ، فكان الخمس عشرين ألف درهم .

 * سرية محمد بن مسلمة لقتل كعب اليهودي : لما انهزمت قريش في بدر ، وجاء البشيران من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة فبشرا بنصر المسلمين وهزيمة المشركين في بدر ، وبلغ ذلك كعب بن الأشرف الطائي الأصل ، اليهودي العقيدة ابن النضرية اليهودية لما بلغه ذلك قال : والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها ، وكشر عن نابه كالكلب العقور وأخذ يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويتشبب بنساء المسلمين ، ثم ذهب إلى قريش يستعدي رجالها على حرب النبي صلى الله عليه وسلم فاستضافوه واجتمعوا عليه ، وهو يسب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، وسألوه عن دينهم فقال : إن دينكم خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ولما عاد إلى المدينة وأوحى الله تعالى إلى رسوله بما قاله كعب وما فعل وما عزم عليه الأمر الذي استوجب قتله بنقضه العهد وتأليبه الأعداء على المسلمين ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من لي بابن الأشرف ؟ ) فقال محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل : أنا لك به يا رسول الله ، أنا أقتله ، قال : ( فأفعل إن قدرت على ذلك ) ، فقال : يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول ، قال : ( قولوا ما بدا لكم ، فانتم في حل من ذلك ) ، فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة وهو أخو كعب من الرضاعة ، وعباد بن بشر والحارث بن أوس ، وأبو عبس بن جبر أحد بني حارثة ، وساروا نحوه ، ولما كانوا بمقربة من قصره قدموا سلكان بن سلامة أبا نائلة أمامهم ، فذهب فأتي كعبا في قصره ، فجلس إليه ساعة ، وتحدث معه ، وتناشدا الشعر ، وكان كل منهما يقول الشعر ، ثم قال سلكان : ويحك يا ابن الأشرف أني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عني ، قال : أفعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء ، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال ، وجهدت الأفس ، قال كعب : أنا ابن الأشرف ، أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير إلى ما تقول ، قال سلكان : إني أردت أن تبيعنا طعاما ،  ونرهنك ونوثق لك ، قال كعب : أترهنوني أبناءكم ؟ ، قال سلكان : لقد أردت أن تفضحنا ، إن لي أصحابا على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم ، فتبيعهم وتحسن في ذلك ، نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء ، وأراد سلكان أن يعمي عليه فلا ينكر السلاح إذا جاءوا به فقال كعب : إن في الحلقة السلاح لوفاء ، ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره ، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا ، فيجتمعوا إليه ، فأجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معهم إلى بقيع الغرقد ، ثم وجههم قائلا : ( اللهم أعنهم ) ثم رجع صلى الله عليه وسلم ، ومضوا هم حتى انتهوا إلى حصن كعب ، فهتف به أبو نائلة سلكان فنزل في ملحقته ، وهو حديث عهد بعرس فأمسكت به امرأته ، وهو خارج ، فقالت له : إنك امرؤ محارب ، فيكف تنزل في هذه الساعة ؟ ، فقال لها : أنه أبو نائلة لو وجدني نائما لأيقظني ، فقالت له : والله إني لأعرف في صوته الشر ، فلم يلتفت كعب إلى قولها ، ونزل وتحدث مع أبي نائلة ساعة ، ثم قال له أبو نائلة : هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث بقية ليلتنا هذه ؟ قال : إن شئتم فخرجوا يتماشون ، فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة أدخل يده في فود رأس كعب ثم شم يده ، فقال : ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط ، ثم مشى ساعة ، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن كعب ، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن  كعب ، ثم مشى ساعة ، ثم عاد لمثلها وأخذ بفود رأسه وقال : اضربوا عدو الله فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال أبو نائلة : وذكرت مغولا في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا فأخذته فوضعته في ثنته وقد صاح عدو الله صيحة ما بقي حصن إلا وقد أوقدت عليه نار ، فوقع عدو الله على الأرض هالكا ، فغادرناه صريعا ومضينا ، وكان قد جرح الحارث أصابته سيوفنا فحملناه ومعه نزيف من جرحه حتى انتهينا إلى المدينة فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله ، وتفل على جرح صاحبنا ، فشفاه الله تعالى فعدنا إلى بيوتنا فأصبحنا ، وأصبح كل يهودي خائفا على نفسه .

 * غزوة أحد :
في شوال من السنة الثالثة من الهجرة المباركة خرجت قريش برجالها ونسائها وأحابيشها وبكل من قدرت على تأليبه والإتيان به من بني كنانة وأهل تهامه ن وسارت بقيادة أبي سفيان بن حرب زعيمها بعد هلاك أبو جهل حتى نزلت على شفير وادي قناة المقابل للمدينة النبوية ، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فأستشار أصحابه يوم الجمعة في الخروج إلى المشركين لقتالهم خارج المدينة ، أو البقاء في المدينة ، وقتالهم دخلها ، ورجح لهم القتال داخلها وأراهم أنه أقرب إلى النصر على المشركين من قتالهم خارجها ، وقص عليهم رؤيا راها ، وهي أنه رأى بقرة تذبح ورأى في ذباب سيفه ثلما وأنه رأى أنه أدخل يده في درع حصينة وأولها المدينة ، ومع هذا أصر أكثر الأصحاب على القتال خارج المدينة فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم على ما رآه لما رأوه ما دام الله تعالى لم يوح في ذلك إليه شيء .

 ودخل صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه ووضع لأمته على رأسه وخرج إليهم ، فما إن رأوه حتى ندموا ورأوا أنهم قد أكرهوه على الخروج ظاهر المدينة فندموا ندما شديدا ، وحاولوا أن يثنوه عن عزمه ، وقالوا : يا رسول الله أقم فالرأي ما رأيت وكان الذين أصروا على الخروج هم الذين تخلفوا عن بدر ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : ( ما ينبغي لنبي أن يضع لأمته بعدما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ، وقد دعوتكم إلى هذا ، فأبيم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فأفعلوا ) .

 واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم ، وخرج في ألف مقاتل وسلك بمن معه من المؤمنين  على البدائع في حرة بني حارثة ، ودليله في هذا أبو خيثمة أخو بني حارثة ، ومروا بحائط لمربع بن قيظي ، وكان منافقا ، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين رفع حفنة من تراب ، وقال : والله لو أعلم أن لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك ، فبدره سعد بن زيد بضربة شج بها رأسه ، وابتدره رجال ليقتلوه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوه لا تقتلوه ، فإنه أعمى القلب أعلمى البصر ) .

 وساروا حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنهم عبدالله بن أبي بثلث الناس ، وكان رأيه عدم الخروج مثل رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذا قال هنا : أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس وتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر يقول لهم : يا قوم أذكركم الله ألا  تخذلوا قومكم ونبيكم ، فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال ، فلما استعصوا وأبوا إلا الانصراف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ) ، ولما هموا بالانصراف قال بعض المسلمين : هيا نقاتلهم ، وقال آخرون : ذروهم يعودوا إلى ديارهم وهنا اضطرب المؤمنون وهم بنو سلمة وبنو حارثة بالفشل إلا أن الله ثبتهم فثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وكانوا سبعمائة رجل بينهم فارسان لا غير : رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر ، ساروا حتى نزلوا بالشعب من أحد ، وجعل ظهره بجبل أحد ، وقال : ( لا يقالن أحد حتى آمره بالقتال ) .

ودارت رحى المعركة ، واستعرت نارها وتأجج لهبها ، وكان حمزة فيها أسدا يهد الرجال هدا ، وكان وراءه وحشي غلام جبير بن مطعم يترصده ، إذ أوعز إليه سيده بأنه إذا قتل حمزة يعتقه ، وكان وحشي بارعا في الضرب بالرماح ، ضربته لا تكاد تخطئ وكانت هند موتورة بموت أبيها ببدر ، كلما مرت به تقول له : يا أبا دسمة استشف واشف ، تحرضه على قتل حمزة رضي الله عنه ، فقال وحشي : ما زلت أتبع حمزة وهو كالجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة : هلم إلى يا بان مقطعة البظور فضربه ضربة ما أخطأت رأسه فقتله ثم هززت حربتي حتى إذ رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع فأمهلته حتى مات فجئت فأخذت حربتي ، ثم تنحيت إلى المعسكر ، ولم تكن لي في شيء حاجه غيره .

 ولما رأى الرماة انكشاف المشركين والمؤمنين يسلبون ويجمعون الغنائم مالوا على المعسكر وكشفوا ظهور المؤمنين لخيل الشمركين فكانت الهزيمة ، وانتهت المعركة وكانت درسا قاسيا للمسلمين .

 * غزوة حمراء الأسد :  إن مظاهر الكمال المحمدي في كل جوانب الحياة العسكرية والمدنية على حد سواء خروجه صبيحة الأحد لإرهاب الأعداء في الداخل والخارج ، إنه بعد الهزيمة النكراء التي أصابت المسلمين ما راع الناس إلا ومؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن بالخروج لملاحقة أبي سفيان بن حرب وجيشه ، وقال : لا يخرج معنا إلا من حضر معنا معركة أحد فخرج المؤمنون ومن بينهم أخوان جريحان ، فكان خفيف الجراح يحمل أخاه ، فإذا تعب وضعه يمشي ساعة ثم يحمله حتى وصلا معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية أميال من المدينة حيث عسكر صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ، واستأذن جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج فأذن له بعد أن عرف عذره ، وهو أن والده الشهيد عبدالله بن عمرو بن حرام لم يأذن له في الخروج إلى أحد وأوصاه بأخواته السبع إذ لم تطب نفس عبدالله أن يترك سبع بنات ليس معهن رجل .

 ومازال النبي صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى مر به معبد الخزاعي ، وخزاعة مسلمها ومشركها كانت عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم أي موضع سره وثقته لا تخفي عليه شيئا من الناس في تهامة ، فقال معبد وهو يؤمئذ مشرك : يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم ، ثم خرج حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، إذ قالوا : أصبنا منهم ما أصبنا فكيف نرجع قبل أن نستأصلهم .

 فلما رأى أبو سفيان معبدا قال له : ما وراءك يا معبد ؟ قال : خرج محمد وأصحابه يطلبونكم في جمع لم أر مثله أبدا ، فقال أبو سفيان : ويحك ما تقول ؟ ، قال : والله ما أرى أن ترحل حتى أرى نواصي الخيل ، فقال أبو سفيان : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم ، قال معبد : إني أنهاك عن ذلك ، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من الشعر ، فأوقع هذا الشعر في نفس أبي سفيان هزيمة ،  رأي صفوان بن أمية إذ سبق أن كفه عن الرجوع إلى المدينة عندما عزم على الرجوع ، وقال له : لا تفعل ، فإن القوم قد حرنوا ، وإني أخشى أن يكون لهم قتال غير الذي كان فأرجعوا ، فرجعوا ولذ أمر بالرحيل والعودة إلى مكة ، وأثناء ذلك مر به ركب من بني عبد القيس فقال لهم : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ، قال : ولم قالوا : نريد الميرة ، قال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها ، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ ، إذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، وكان هذا مجرد مناورة من أبي سفيان يريد بها تغطية هزيمته لما سمع من معبد ، ولما وصلت القافلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغوه رسالة أبي سفيان قال : ( حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار ) .

 وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بحمراء أربعة أيام ثم قفل راجعا إلى المدينة فظفر في طريقه بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص وبأبي عزة الجمحي وقد تخلف عن المشركين نائما ، وكان أبو عزة قد أسره يوم بدر واسترحم الرسول الله صلى الله عليه وسلم فرحمه فمن عليه ، وعاهده ألا يقف موقفا ضده وخان وجاء مع المشركين إلى أحد ، فلذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله ، فقتل ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) وأما معاوية فهو الذي مثل بحمزة في أحد فقطع أنفه .، فقد ضل الطريق ، فأتى دار عثمان وقد استشفع بعثمان فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته فيه ، على أنه لو وجده بعد ثلاثة أيام ليقتلنه ، فجهزه عثمان لقرابته وقال له : ارتحل ، فأرتحل فأخطأ الطريق ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتحل من حمراء الأسد وقال لاصحابه : إن معاوية أصبح قريبا ولم يبعد فأطلبوه ، فطلبه زيد بن حارثه وعمار بن ياسر فوجداه فقتلاه ، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا ، وأرهب بذلك العدو المنافق في الداخل والمشركين في الخارج .

  * غزوة بني النضير : بنو النضير إحدى ثلاث طوائف كانت تسكن حوالي المدينة من اليهود ، وقد وادعهم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم قدم المدينة مهاجرا ، وكتب لهم بذلك كتابا ، فنقضت بنو قينقاع عهدها أول ما نقض ، فأجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقتلهم إذ قبل فيهم شفاعة حليفهم عبدالله بن أبي فخرجوا من المدينة ونزلوا أذرعات بالشام وهلكوا بها ، وها هم أولاء بنو النضير ينقضون عهدهم اليوم بتآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم بصورة مكشوفة واضحة .

 إنه بعد أنتهاء وقعة أحد المؤلمة جاء أبو براء العامري زائرا المدينة فلاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يرفض وقال للرسول الله صلى الله عليه وسلم لو تبعث إلى ديارنا بعثا من صالحي رجالك يدعون إلى أمرك ، فإني أرجو أن يجابوا لذلك ، فأبدى النبي صلى الله عليه وسلم تخوفا على أصحابه فوعده أبو براء بأنه سيكون جارا حتى لا يمسوا بسوء ، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من خيرة الأصحاب ، وحدثت واقعة بئر معونة واستشهد فيها كافة الأصحاب ، وإن عمرو بن أمية لما وقع في أسر عامر بن الطفيل أعتقه وعاد عمرو إلى المدينة ، وفي طريقه لقي رجلين من بني عامر فقتلهما ثأرا لشهداء بئر معونة ، وكان القتيلان معاهدين للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم بذلك عمرو وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحادث فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لأدينهما ) وفعلا جاء ذووهما يطالبون بديتهما وكانت معاهدة اليهود تقضي بأن يدي كل من الطرفين ما لزمه من ديه شرعية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير يطالبهم بالإسهام في دية العامريين بموجب المعاهدة ، فأنتهى إلى ديارهم وذكر لهم ما جاءهم من أجله فأبدوا ارتياحا واستعدادا وأنزلوه مع أصحابه منزلا حسنا في ظل جدار من بيت أحدهم ، وأظهروا أنهم يسعون في تحقيق طلبه .

 وإذ بهم متآمرون على قتله ، إذ قالوا : أنها فرصة قد لا تتاح لكم فتخلصوا من الرجل بقتله ، وعينوا لذلك عمرو بن جحاش ، فقال : أنا لذلك ، فقالوا : نطلع على السطح ونلقي عليه رحى من فوقه نقتله بها ، وأنكر عليهم سلام بن مشكم عملهم ، وقال: لا تفعلوا ن لكنهم أجمعوا على أن ينفذوا خطتهم ، وقبل أن يفعلوا بدقائق أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما هموا به من قتله فقام على الفور كأنه يقضي حاجة ودخل المدينة ، ولما استبطأه أصحابه قاموا ولحقوا به فأخبرهم بمؤامرة اليهود ، وأن خبر السماء قد سبقهم .

 وبعث إليهم صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جوراه وبلده ، لنقضهم العهد الذي بينهم وبينه ن فبعث إليهم المنافقون وعلى رأسهم ابن أبي كبير المنافقين يشجعونهم على البقاء وعدم الجلاء ، ولما لم ينصاعوا للأمر بالجلاء لتشجيع المنافقين لهم أعلن القائد الأعظم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الحرب عليهم ، فولى على المدينة بان أم مكتوم وخرج إليهم برجاله ، فاحصرهم قرابة نصف شهر وأثناء ذلك هددهم بإحراق نخلهم وقطعة وفعلا أحرق بعض المؤمنين طرفا وقطعوا بعضا ، وتألم لذلك بعض المسلمين لا سيما لما قال اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم : عندنا بك تنهى عن الفساد وتعيب صاحبه ، فيك تأذن بإحراق النخيل ، ونزل اليهود أخيرا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منصاعين لأمره ، وهو أن يخرجوا من المدينة حاملين أموالهم على إبلهم ، ماعدا السلاح حتى لا يحربوا بها مرة أخرى ، فأخذوا أموالهم الصامته والناطقة حتى إن أحدهم يهدم سقف بيته ويحمل بعض أخشابه أو يهد نجف الباب ليأخذ الباب .
 وأجلي بنو النضير عن المدينة ، ولم يسلم منهم إلا رجلان ، هما يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالها ، ولما مر اليهود بخيبر نزل بها سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع ، وحيي بن أخطب فأستقبلهم يهود خيبر بالطبول ، والمزامير والغناء بزهاء وفخر بأنهم ابطال فاتحون ، وما هم إلا خونة ناكثون مهزومون .
 وقسم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين لا غير ، إذ هم أصحاب الحاجة حتى إنهم عالة على الأنصار ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن أموال بني النضير لم تكن غنائم أحرزت بالقتال ، وإنما كانت فيئا أفاءها الله على رسوله بدون سفر ولا قتال .

 * غزوة ذات الرقاع : سبب هذه الغزوة أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد جمعوا الجموع وأجمعوا أمرهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  فخرج إليهم في أبعمائة مقاتل ، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري ، أو عثمان بن عفان رضى الله عنهما وسار إليهم وهم بديار نجد فنزلا ( نخلا ) وهو موضع من نجد في أرض غطفان .

 ولما علم بمسيره صلى الله عليه وسلم من أجمعوا أمرهم على قتاله تفرقوا ولحقوا برؤوس الجبال ، فلم يكن قتال وسميت هذه الغزوة بذات الرقاع ، لأنهم كانوا يعتقبون البعير كل سنة ببعير ، وكان الفصل صيفا ولم يطيقوا الحر فكانوا يلفون الخرق على أرجلهم فسميت ذات الرقاع .

 وحدث في هذه الغزوة ما يلى :

 1 - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بات برجاله في مضيق ( شعب بين جبلين ) وجعل على الحراسة مهاجرا وهو عمار بن ياسر ، وأنصاريا وهو عباد بن بشر ، فخير أحدهما الآخر في حراسة أول الليل ، أو آخره فأختار الأنصاري أول الليل ، فحرس ثم قام يصلي ويقرأ فس سورة الكهف فجاء أحد القناصة من العدو ، فرماه بسهم فنزعه وواصل صلاته ، ثم رماه بآخر فنزعه ، وواصل صلاته ثم رماه بثالث فأستيقظ صاحبه ، فرأى الدم يسيل منه فسأله ، فأخبره فقال : لم لا توقظني ؟ فقال : إني كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أكملها ، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك ، وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها أي أتمها قراءة .

 2 - أن غورث الغطفاني قال لرجاله : ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به ، وأخذ يتتبع جيش الإسلام ، فلما نزلوا في واد كثير الأشجار ، وتفرقوا فيه للاستراحة تحت ظلال أشجاره ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلس تحت ظل شجرة وعلق سيفه بها ، فجاء غورث الغطفاني في استخفاء وختل حتى أخذ السيف وأصلته ، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم : من يمنعك اليوم مني يا محمد ؟ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( الله ) فأنهار الرجل وسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال له : ( من يمنعك مني اليوم ؟ ) قال : لا أحد ، وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهده على أن لا يحارب ضده ورجع إلى قومه ، فأخبرهم فأسلم كثير على خبر هذه الحادثة .

 3 -  أن جمل جابر بن عبدالله قد انقطع وأصبح لا يقدرعلى المشي إلا بصعوبة قمر به الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وهو واقف والجمل حاسر بارك ، فقال له : ( ناولني سوطه ) فناوله إياه فضرب به الجمل ، فقام وسار حتى كاد يسبق غيره .
 ومن باب المطايبه قال صلى الله عليه وسلم لجابر : ( اتبيعنيه يا جابر ؟ ) قال : بل أهبة لك يا رسول الله قال : ( لا ) ، بل بعنيه ) ، فساومه شيئا فشيئا حتى بلغ الثمن المطلوب فباعه إياه ، واشترط جابر حملانه إلى المدينة ، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم الشرط ، ولما وصلوا إلى المدينة جاء جابر بالجمل فأناخه على مقربة من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال لبعضهم : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإن جابرا جاء بالجمل ، فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم لعمار : ( أعط هذه الدراهم لجابر وقل له يأخذ جمله ، فإنه لا حاجة لي به ) فأخذ جابر الجمل وثمنه شاكرا لله ولرسوله وفضلهما .

 * غزوة بدر الآخرة : سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان بن حرب لما كان عائدا من غزوة أحد قال للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : موعدنا بدرا عاما قابلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( قولوا نعم ) فقالوا : نعم إن موعدنا معك العام القابل ، فلما آن أوان الموعد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عبدالله بن رواحة ، أو عبدالله بن عبدالله بن أبي ابن سلول ، وخرج في ألف وخمسمائة مقاتل ، وسار حتى وصل بدرا ، وكان بها سوق كبيرة تقام سنويا ولذا واعد أبو سفيان فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واشتروا فربحوا ضعف رأس المال إذ ربح الدرهم درهمين ، وعادوا لم يمسهم سوء ، إذ أبو سفيان لما خرج برجاله ووصل إلى قريب من عسفان رأى أنه لا فائدة من الحرب وخاف الهزيمة فخطب في رجاله فقال : إن هذا العالم عام جدب ، ولا يصلح لكم إلا عام خصب ، فلذا أرى أن تعودوا ، فأكلوا أزوادهم وكانت سويقا ورجعوا ، فقال أهل مكة ينحون عليهم باللائمة : كأنكم ما خرجتم للقتال ، وإنما خرجتم لأكل السويق فسميت هذه الغزوة أيضا بغزوة السويق .

 * غزوة دومة الجندل : بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعا من المشركين بدومة الجندل وهي قرية تبعد عن المدينة بمسافة خمس عشرة ليلة ، وعن دمشق بنحو من خمس ليال فهي إلى الشام أقرب ، وإن كانت من أعمال المدينة النبوية يتلصصون ويؤذون المارة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدبهم من جهة تخليصا للبلاد من ظلمهم ، ومن جهة أخرى ليرعب الروم وكل من في المنطقة حتى لا يفكروا في حربه صلى الله عليه وسلم ، ومن جهة ثلاثة ينشر دعوة الله تعالى ويبلغها إلى سكان تلك الديار ، فاستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، وخرج في ألف مقاتل ، وانتهى إلى تلك البلاد ولم يجد بها أحدا ، إذ رعبوا وتفرقوا بمجرد أن علموا أن محمدا قد خرج إليهم .

 وأقام صلى الله عليه وسلم بالمنطقة كذا يوما ، أرسل فيها السرايا هنا وهناك ولم يعثروا إلا على المواشي من إبل وغنم ، فساقوا منها ما شاء الله ، وعاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا .

 * غزوة الخندق أو الأحزاب : سبب وقوعها :
 أ - إن السبب الأقوى والمباشر لحدوث هذه الغزوة هو أن رؤساء بني النضير الذين نزلوا بخيبر بوم جلائهم ، واحتفل بهم يهود خيبر وأقاموا لهم الأفراح يوم استقبالهم كما تقدم بيانه في استعراض غزوة بني النضير من السنة الرابعة من هجرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .
 هؤلاء الرؤساء وهم حيي بن أخطب ، وعبدالله بن سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وغيرهم رأوا أن يثأروا لما أصابهم من الذل والهوان وينقموا من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فخرجوا إلى مكة لتأليب قريش وتحزيب الأحزاب لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه ، فوجدوا قريشا مستعدة لذلك من أجل الهزائم التي لحقتها في غير ما ميدان وساحة قتال ، وضللها هؤلاء اليهود ، إذ أعلموها أنها على حق ، وأن دينها خير من دين محمد ، وأنها أهدى منه سبيلا في حياتها الدينية والاجتماعية والسياسية .
 فخرجوا من عند قريش وتركوها تعد العدة وتجمع الرجال من قبائلها على اختلافهم مجمعة الخروج إلى المدينة لحرب محمد صلى الله عليه وسلم واستئصاله .
 وذهب أولئك الرؤساء في الشر إلى قبائل غطفان يؤلبونهم على حرب محمد صلى الله عليه وسلم فأستجابوا لهم لظلمة نفوسهم ولقوة تأثير كلام اليهود فيهم وخرجت قبائل غطفان بزعامة عيينة بن حصن ، وكل قبيلة معها سيدها ، فمع بني فزارة عيينة ومع مرة الحارث بن عوف المري ومع الأشجع مسعر بن رخيلة الأشجعي .
 وخرجت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب ، وواصل كل سيره فنزلت قريش بمجمع الأسيال قريبا من دومة بين الجرف والغابة وكان أفراد معسكرهم عشرة آلاف مقاتل من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وتهامة ، ونزلت قبائل غطفان شرب المدينة إلى جنب أحد الشرقي .

 ب - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمع بتحركات اليهود وتحزيبهم الأحزاب لقتاله ، فأستشار رجاله ، فأقترح سلمان الفارسي حفر خندق حول جبل سلع تكون ظهور المسلمين إلى جبل سلع ووجوههم إلى الخندق فيمنعون كل مقتحم للخندق يريد الوصول إليهم ، وأن يوضع النساء والأطفال في حصون المدينة وآطامها ، فأجتمعت الكلمة على حفر الخندق ، وأخذ المسلمون يحفرون ومعهم نبيهم صلى الله عليه وسلم يحفر معهم ، وقد وزع صلى الله عليه وسلم الحفر عليهم فجعل لكل عشر أنفار أربعين ذراعا ، واشتغلت الفؤوس والمساحي في الحفر ، والرجال في نقل التراب وإبعاده ، وكان بين الذين ينقلون التراب الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى علا جلده الطيب الطاهر ، وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم تشجيعا لهم على العمل ومواصلته حتى إنه كان إذا تقاولوا يقول معهم فقد كانوا يرتجزون برجل من المسلمين يقال له جعيل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم عمرا فيقولون : سماه من بعد جعيل عمرا ، فيقول صلى الله عليه وسلم : ( عمرا ) .

 ح - بداية المعركة : ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وجها لوجه أمام العدو ، وتحركت خيل من قريش على رأسها عمرو بن عبد ود ، فمروا بخيمات بني كنانة فقالوا لهم : تهيؤوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم ؟ ثم أقبلوا تسرع بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت تكيدها ثم قصدوا مكانا ضيقا من الحندق فضربوا خيلهم فأقتحمت منه فجالت بهم بين السبخة وسلع ، وما إن رآهم المسلمون حتى خرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين ووقفوا بينهم وبين الثغرة التي دخلوا منها بخيلهم ولما رأوا ذلك أقبلوا مسرعين نحو الثغرة التي أخذت منهم فوقفوا دونها وقال عمرو بن عبد ود من يبارز ؟ فبرز له عللي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقال له : يا عمرو إنك قد كنت عاهدت الله تعالى ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذتها منه ، قال له : أجل ، فقال له علي : إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام فقال : لا حاجة لي بذلك ، قال علي : فإني أدعوك إلى النزال ، فقال له : لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك ، فقال علي : لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو عند ذلك ، فنزل عن فرسه وعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي ينازله فتنازلا وتجاولا فقتل علي عمرا ، ولما رأت خيل المشركين ذلك فرت هاربة مقتحمة الخندق ، ولم يقدروا بعد هذه الجولة أن يقتحموا الخندق لا رجالا ولا فرسانا ، وإنما هي الاقتناص والرماية حتى إن ابن العرقة رمى سعد بن معاذ بسهم وقال : خذها وأنا ابن العرقة ، فقال له سعد : عرق وجهك في النار ، وكان سعد قد أصيب في أكحله ، وقل من ينجو من الموت من أصيب إصابته ، ولذا دعا فقال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه .

 اللهم إن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فأجعله لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة ، وعظم البلاء وفزع الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى ربه يدعوه ويسأله النصر له والهزيمة لأعدائه فقال : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم زولزلهم ) ، وقال له بعض أصحابه : يا رسول الله هل من شيء نقوله ؟ فقد بلغت القلوب الحناجر ، فقال : ( نعم ، قولوا اللهم استر عوراتنا وأمن ورعاتنا ) وقد حالت المواجهة للعدو دون صلاة العصر حتى غربت الشمس فصلى بعد ذلك ودعا على المشركين فقال : ( ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى ) ، وحصل هذا عدة مرات وذلك لأن صلاة الخوف لم ينزل القرآن بها بعد ، وإلا لصلوا على أي حال ولا يؤخرونها عن وقتها .

 واستجاب الله دعوة رسوله
وعباده المؤمنين الصادقين فساق إلى رسوله نعيم بن مسعود الغطفاني بعد أن هداه إلى الإسلام فأسلم ، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعه ) ، وخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة بيني وبينكم ، قالوا : صدقت لست عندنا بمتهم ، فقال لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسلوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرأي .

 ثم خرج من عندهم حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فأكتموه عني ، فقالوا : نفعل ، فقال : تعلموا أن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه : إنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم ، فأرسل إليهم أن نعم ، فإن بعثت إليكم اليهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا .

 ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان إنكم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ، ولا أراكم تتهمونني ، قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم ، قال : أفكتموا عني ، قالوا : نفعل فماأمرك ، فقال لهم ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم .

 وكان من تدبير الله تعالى لرسوله والمؤمنين ليخرجهم من محنتهم أن أرسل أبو سفيان ورجال من غطفان إلى بني قريظة وفي ليلة سبت يقولون لهم : إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا به ، فملا رجعت الرسل إلى قريش وغطفان بما قالت بنو قريظة قالوا : والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال ، فأخرجوا فقاتلوا ، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم : إن الذي ذكر لكم نعيم لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم ، فأرسلوا إلى قريش وإلى غطفان : إنا والل لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم ن وخذل الله تعالى بينهم ، فلم يعزموا على القتال .

 وأرسل الله عز وجل عليهم الريح في اليال شاتية باردة شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتقتلع خيامهم ، وما أطاقوا المقام فقرروا العودة فورا إلى بلادهم ، وارتحلوا عائدين لم ينالوا خيرا ، وكفى الله رسوله والمؤمنين قتالهم ، وكان الله قويا عزيزا .

  * غزوة بني قريظة : سبب غزوة بني قريظة هو نقضهم للمعاهدة وانضمامهم إلى المشركين الغزاة الظالمين المعتدين ، لما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من الخندق وذلك يوم الأربعاء من أواخر شهر ذي القعدة من سنة خمس من الهجرة ، ودخلوا المدينة ، فلما كان وقت الظهر أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من إستبرق على بغله عليها رحالة ، عليها قطيفة من ديباج فقال : ( أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ ) قال : ( نعم ) ، فقال جبريل : ( فما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ) .

 واستجاب الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم لأمر ربه تعالى فعين على المدينة ابن أم مكتوم ، وأمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يتقدم برايته إلى بني قريظة بجس نبضهم ، ومعرفة أحوالهم ، وما هم عليه وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس أن احضروا فورا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحضروا فأمرهم بالمسير إلى بني قريظة ، وقال لهم : ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ) وخف الناس وخرجوا ، وحانت صلاة العصر ، فمنهم من صلاها في طريقه متأولا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من لم يصلها حتى دخل الليل عملا بظاهر النص ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ) ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى ولا من أخر ، إذ الكل عامل بطاعته صلى الله عليه وسلم .

 وخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فإذا بعلي رضي الله عنه عائد من بني قريظة وقال للرسول صلى الله عليه وسلم : لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لم أظنك سمعت منهم لي أذى ) قال : نعم ، قال : ( لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا ) وكانوا قد نالوا من الرسول شيئا لما دنا منهم علي وخاطبهم ، وسار الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى ديارهم ودنا من صونهم ناداهم قائلا : ( يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وانزل بكم نقمة ) قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولا .

 وأثناء مسيره صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة مر بنفر من أصحابه فسألهم : ( هل مر بكم أحد ) قالوا : يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغله بيضاء عليها رحالة قطيفة ديباج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ) ونزل الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه على بئر من آبار بني قريظة يقال لها أنا أو أني ، ولما تلاحق المسلمون حاصرهم صلى الله عليه وسلم ، وطلب منهم النزول ، فأبوا أن ينزلوا وفي هذه الأثناء ، وعندما جهدهم الحصار وأيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفلتهم قام فيهم كعب بن أسد أحد أشرافهم ، وهو صاحب الحل والعقد بينهم فقال لهم : يا معشر يهود قد نزل بكم الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه الذي تجدونه كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ، قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره قال : فإذا أبيتم هذه فهلم فنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجلا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء ، قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم ، قال : فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة سبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فأنزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة ، قالوا : نفسد سبتنا علينا ، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابهم ما لم يخف عليك من المسخ .

 ولما اشتدت حيرتهم وعظمت مخاوفهم أنزلوا رجلا منهم هو شاس بن قيس ليفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم فنزل وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يعاملهم معاملة بني النضير بحيث يخرجون بأموالهم ونسائهم وأولادهم ويتركوا السلاح ، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال شاس : تحقن دماءنا وتعطينا النساء والذرية ولا نأخذ من أموالنا شيئا ، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه ، فعاد شاس فأخبرهم بنتيجة المفاوضات وأنها في غير صالحهم .
 ولما رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم مقترحهم بعثوا إليه يطلبون أن يبعث إليهم أبا لبابة ليستشيروه في موضوع النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو لبابة أوسيا وقريظة كانت حلفاء الأوس ، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة فدخل عليهم حصنهم فما إن رأوه حتى قام أليه الرجال وجهش النساء والصبيان بالبكاء فرق لهم أبو لبابة فقالوا له : يا أبا لبابة أننزل على حكم محمد ، قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، أي إنه الذبح .
 ثم خرج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة وأمر بحفر أخاديد فيها ، ثم أمر أن يؤتى بهم أرسالا فتضرب أعناقهم ويلقون في تلك الأخاديد ، وكانوا قرابة السبعمائة رجل من بينهم كعب بن أسد رئيسهم ، حيي بن أخطب النضري محزب الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .

 * غزوة بني لحيان : في جمادى الأول من هذه السنة السادسة من هجرته رأى صلى الله عليه وسلم أن يطالب بدم أصحاب الرجيع الذين غدر بهم رجال لحيان وقتلوهم وهم خبيب وأصحابه رضوان الله عليهم فأنتدب مائتين من أصحابه ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأظهر أنه يريد الشام وهي تورية فقط والحرب خدعه فخرج برجاله عن الطريق المؤدي إلى ديار بني لحيان ، فعمى على الأعداء ، ثم عاد إلى الطريق القاصد ، وذلك من أجل أن يصيب من القوم غرة ، وواصل سيره وأغذه وبسرعة هائلة حتى نزل على غران وهي منازل بني لحيان ، وغران هذا واد بين أمج وعسفان ممتد إلى بلد يقال له سايه ، فلما علموا بطلبه لهم حذروا فتمنعوا في رؤوس الجبال ، فلما نزل بديارهم ولم يلقهم لتحصنهم برؤوس الجبال رأى أن يرهب قريشا فيشعرهم بقدومه إلى قرب ديارهم طلبا للغادرين من بني لحيان ، ليكون ذلك ذا وقع في نفوسهم وقد سبق له صلى الله عليه وسلم أن صرح فقال : ( اليوم نغزوهم ولا يغزوننا ) قالها بعد خيبة قريش في الخندق ، فسار صلى الله عليه وسلم برجاله وهم مائتا راكب كما تقدم حتى هبط عسفان ، ثم بعث فوارس من رجاله على رأسهم أبو بكر الصديق حتى بلغوا كراع  الغميم ، ثم كر وراح صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يقول : ( آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون ، أعوذ بالله من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال ) .

 * غزوة ذي قرد : إن لهذه الغزوة كما لغيرها سببا اقتضاها وهو أن عيينة بن حصن الفزاري وهو ذاك الذي قاد قبائل غطفان لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة مع الأحزاب ، هذا العدو الحاقد أغار في خيل له من رجاله على سرح المدينة وهي لقاح للنبي صلى الله عليه وسلم تبلغ عشرين لقحه ، وهي الإبل ذوات الألبان ، فأستاقوا الإبل وقتلوا الراعي وأخذوا امرأته .
 وكان أول من علم بهذه الغارة سلمة بن الأكوع السلمي رضي الله عنه ، إذ خرج يريد الغابة فلما علا ثنيه الوداع شاهد خيل عيينة من بعد فعلا على جبل سلع وصاح : واصباحاه ! واصباحاه ! وهي صيحة الإنذار في ذلك الزمن ، ثم جرى وراء الخيل الغازية يطاردها يرميهم بالنبل وهم يخلون عن اللقاح ويلقون برماحهم وبعض أمتعتهم تخففا حتى افتك منهم أكثر اللقاح وتركها وراءه وما زال يطاردهم حتى وصلت خيل النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان أول من أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صحية سلمة من الفرسان المقداد بن عمرو الكندي ، ثم تتابعوا ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة : ( أيا خيل الله اركبي ) .

 واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم وسار بالناس ، وقد قدم الخيل وأمر عليهم سعد بن زيد ، وقال له : اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس وسارت الخيل فكان أول فارس وصل إلى المغيرين هو محرز بن قضلة الملقب بالأحزام ، فلما انتهى إلى العدو قال لهم : قفوا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار فحمل عليه رجل من العدو فقتله ، وجال الفرس في الميدان ، ولم يقدر عليه ، وعاد إلى المدينة حتى وقف على آريه ، وتلاحقت الخيل فقتل أبو قتادة رجلا من المغيرين يقال له حبيب بن عيينه وغطاه ببرده ، وتقدم يطارد القوم ، فلما وصل الناس إليه وظنوا أن القتيل أبو قتادة لوجود برده على القتيل استرجعوا أي قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده ليعرف أنه قتيله ) وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير فقتلهما معا .

 وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه حتى نزلوا بجبل بذي قردة ، وتلاحق بن الناس فأقام بهم يوما وليلة ، وقال سلمة بن الأكوع : يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح ، وأخذت بأعناق القوم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنهم الآن ليغبقون في غطفان ) بمعنى أنك لا تدركهم لأنهم وصلوا إلى ديارهم وهم يتناولون طعام العشاء ، ونحر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرين طعموهما ، ثم ارتحلوا إلى المدينة النبوية ، وجاءت امرأة الغفاري الذي قتل يوم ساق رجال عيينة اللقاح وقتلوا زوجها ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنها نذرت أن تنحر الناقة التي تركبها إن نجاها الله تعالى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تبسم : ( بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ، ثم تنحرينها ، إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين ، إنما هي ناقة من إبلي ، فأرجعي إلى أهلك على بركة الله ) .

 *غزوة بني المصطلق من خزاعة أو المريسيع : لهذه الغزوة سبب كغيرها من الغزوات وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق من خزاعة قد تجمعوا بقيادة الحارث بن أبي ضرار والد جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بماء يقال له المريسيع بناحية قديد ، وكذا سميت الغزوة بني المصطلق أو المريسيع ، فأستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا ذر الغفاري ، وخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع من المهاجرين والأنصار ، ونازلهم بالمريسيع فهزم الله المشركين ، وقتل من قتل منهم وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا كثيرة فقسمها بين المسلمين ، ومن بين السبايا جورية أم المؤمنين رضي الله عنها ، وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو في سهم ابن عمر له .

  * غزوة خيبر : ففي أول السنة السابعة في أواخر المحرم منها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، فاستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغطفاني ، وقيل نميلية بن عبدالله الليثي ، وخرج في ألف وأربعمائة مقاتل من بينهم مائتا فارس ، وسار بجيشه المظفر مارا على عصر ( جبل ) حيث بنى له فيه مسجدا ، ثم على الصهباء حتى نزل بالرجيع وهو واد كبير يقال له : الرجيع ن فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر ، إذ كانوا على وفاق معهم في حرب الرسول صلى الله عليه وسلم .

 وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أشرف على خيبر ، وقال لأصحابه : ( قفوا ) فوقفوا ودعا قائلا : ( اللهم رب السموات وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها ، وشر ما فيها ) ثم قال : ( أقدموا بسم الله ) .

 ونزل صلى الله عليه وسلم بأصحابه خيبر ليلا ، ولم يعلم أهلها بنزوله ، فلما أصبحوا وخرجوا بمساحيهم إلى أعمالهم الفلاحية ورأوا الرسول صلى الله عليه وسلم وجيشه قالوا : محمد والخميس ، محمد والخميس ، وعادوا إلى حصونهم فدخلوها ، فقال النبي : ( الله أكبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) وأخذ يحاصرهم في حصونهم ويأخذ أموالهم خارجها ، ثم أخذ يفتح الحصون حصنا بعد حصن ، وكان أول حصن افتتحه حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة رضي الله عنهما ، إذ ألقي عليه رحى فقتله ، ثم افتتح القموص حصن بني أبي الحقيق ، وأصاب منهم سبايا من بينهم صفية بنت حيي بن أخطب النضري ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فأصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، ولم يعلم بذلك دحية فسأله إياها ، فأعلمه أنه اصطفاها لنفسه ، وأعطاه ابنتي عمها ، وكثر السبي في أيدي المسلمين .
 أثناء قتال الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر وفتح حصونهم أتاه بنو سهم من أسلم وقالوا : يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعطيهم إياه فقال دعيا : ( اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فأفتح عليهم أعظم حصونهم غناء وأكثر طعاما وودكا ) فغدا الناس للقتال ففتح الله حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن أكثر منه طعاما وودكا منه .

 * غزوة وادي القرى : وبعد الفراغ من غزوة خيبر ومصالحة أهل فدك برئاسة يوشع بن نون على النصف من أموالهم ، وإقرارهم على العمل فيها كإقرار أهل خيبر ، قصد صلى الله عليه وسلم وادي القرى ليفتحها ، فحاصرها عدة ليال وافتتحها عنوة ، وأثناء الحصار قتل مولاه مدغم الذي أهداه إياه رفاعة بن زيد الجذامي ، أصابه سهم غرب فقتله ، وقال بعض المسلمين: هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلا ، والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتشتعل نارا ) وكان قد غلها من فيء المسلمين يوم خيبر ، وهنا سمعه رجل ، فجاء فقال : يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي كنت أخذتهما ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعد لك مثلهما من نار ) .

 وترك النبي صلى الله عليه وسلم النخل والأرض في أيدي أهلها وعاملهم معاملة أهل خيبر وفدك سواء بسواء ، وبقي الأمر في خيبر وفدك ووادي القرى كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عهد عمر رضي الله عنه ، ثم نفذ عمر رضي الله عنه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم هي قوله : ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ) فأجلى اليهود من الجزيرة إلى خارجها وطهرت قبة الإسلام من رجس المشركين وكفر الكافرين من سائر الناس .

 * غزوة مؤته : هذه إحدى الغزوات العظيمة في الغزو الإسلامي وكانت في جمادي الأولى من سنة ثمان ، فقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم زمانها ومكانها وعين أمراءها فعين زيد بن حارثة مولاه أميرا عليها فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبدالله بن رواحة .

 وكان عدد أفراد هذه السرية ثلاثة آلافمقاتل ، ولما عين الحبيب صلى الله عليه وسلم زيدا أميرا ، وجد جعفر في نفسه وقال : يا رسول الله  ما كنت أذهب أن تستعمل علي زيدا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( امض فإنك لا تدري أي ذلك خير ) وعندها بكى الناس وقالوا : هلا متعتنا بهم يا رسول الله ، وكان إذا قال : فإن أصيب فلان فالأمير فلان أصيب كل من ذكره .

 وتجهز الناس وودعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، ولما ودع عبدالله بن رواحة بكى ، فقال له الناس : ما يبكيك فقال : ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية ، فلمست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ، فقال المسلمون : صحبكم الله وردكم إلينا صالحين .

ثم خرجوا وساروا حتى نزلوا معان من أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من العرب المتنصرة من لخم وجذام والقين وبلي ، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون أمرهم وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره الخبر ، ونتظر أمره ، فشجعهم عبدالل بن رواحة ، وقال : يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون إنه الشهادة ، وما نقاتل بعدد ولا قوة ، ولا نقاتلهم إلا بهذا الذين ، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين فقال الناس :  صدق والله ، وساروا فتلقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها : مشارف ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فألتقى الناس عندها وكان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري ، وعلى ميسرتهم عبادة بن مالك الأنصاري فأقتتلوا قتالا شديدا ، فقاتل زيد براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم أي مات ثم أخذها جعفر بن أبي طالب .

 ثم عقر فرسه وهو أول فرس عقر في الإسلام ، وقاتل حتى قطعت يده اليمنى فأخذ الراية باليسرى ، وقاتل حتى قطعت يده اليسرى فأحتضن الراية بعضديه حتى قتل فوجد به بضع وثمانون رمية وضربة وطعنة في جوار الله تعالى ورضوانه ، وأخذ الراية عبدالله بن رواحة ثم تقدم فتردد بعض التردد ، ثم نزل على فرسه فجاء ابن عم له بعرق لحم فقال : شد بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت ، فأخذه فأنتهش منه نهشة ، ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر فقال لنفسه وانت في الدنيا ، ثم ألقاه وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل ، واشتد عليهم الأمر وكان قطبة قد قتل قبل ذلك ، قتله مالك بن زافلة قائد العرب المتنصرة ، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني العجلان وقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت ، قال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز ، وانحيز عنه حتى انصرف الناس ، ثم أقبل بهم قافلا في طريقه إلى المدينة النبوية .

 وبالمدينة يخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بجريان المعركة بالتفصيل كأنه يشاهدها عن كثب فيقول بعد أن رقي المنبر ونادى بالصلاة جامعة : ( باب خير ، باب خير ، باب خير ، أخبركم عن جيشكم هذا الغازي ، إنهم لقوا العدو فقتل زيد شهيدا ، فأستغفر له ، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا ، فأستغفر له ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة ) وصمت حتى تغيرت وجوه الأنصار ، وظنوا أنه قد كان من عبدالله ما يكرهون ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( فقاتل القوم حتى قتل شهيدا ) ثم قال : ( لقد رفعوا إلى الجنة على سرر من ذهب فرأيت في سرير ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت : عم هذا ، فقيل : مضيا وتردد بعض التردد ثم مضى ) ولما قتل ابن رواحة أخذ الراية ثابت بن الأرقم الأنصاري ، وقال : يا معشر المسلمين  اصطلحوا على رجل منكم فأصطلحوا على خالد بن الوليد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد فعاد بالناس )  فمن يؤمئذ سمي خالد سيف الله ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوائم بالدم ) .

 وقالت أسماء بنت عميس زوج جعفر الطيار بن أبي الطالب رضي الله عنهما : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم وقد فرغت من اشتغالي وغسلت أولاد جعفر ودهنتهم فأخذهم وشمهم ودمعت عيناه فقلت : يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء ؟ ، قال : ( نعم أصيب هذا اليوم ) ثم عاد إلى أهله فأمرهم أن يصنعوا لآل جعفر طعاما ، فهو أول ما عمل في دين الإسلام ولما رجع الجيش ودنا من المدينة لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عبدالله بن جعفر فحمله بين يديه ، فجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون : يا فرار يا فرار ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله ) .

 * غزوة الفتح : لقد ورد في اتفاقية الحديبية أن خزاعة دخلت في عقد الرسول صلى الله عليه وسلم وبكر دخلت في عقد قريش ، وشاء الله عز وجل أن رجلا من خزاعة سمع رجلا من بكر ينشد شعرا في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فشجه فهاج الشر بينهم ، وثارت بكر على خزاعة ختى بيتوهم بالوتير ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والدواب ، وقاتل معهم جماعة من قريش مختفين ، منهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو فأنحازت خزاعة إلى الحرم لائدة به إلا أن بكرا لم تحترم الحرم وقاتلت خزاعة به وقتلت منهم ، وبهذا كانت قريش قد نقضت العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أعانت بني بكر على خزاعة أحلاف النبي صلى الله عليه وسلم وعنذئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوقف عليه ثم قال منشدا قصيدة مطلعها :

  اللهم إني ناشد محمدا      حلف أبيه وأبينا الأتلدا
  فوالدا كنا وكنت ولدا      ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
  إلى أن قال :
  هم بيتونا بالوتير هجدا    فقتلونا ركعا وسجدا

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد نصرت يا عمرو بن سالم ) وجاء بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه يغتسل فنادوه فقال : ( يا لبيكم ) وخرج إليهم فأخبروه الخبر ثم انصرفوا راجعين إلى مكة أي أعلموه بالذي جرى من نقض قريش عهدها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأصحابه : ( كأني بأبي سفيان قد جاء ليجدد الهدنة خوفا ويزيد في المدة ) ومضى بديل في طريقه ، وإذا بأبي سفيان في عسفان في طريقه ألى المدينة وصدقت فراسة الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان لبديل : من أين أقبلت ، قال : من خزاعة في الساحل وبطن هذا الوادي ، قال : أوما أتيت محمدا ، قال : لا ، فقال أبو سفيان لأصحابه لما راح بديل : انظروا  بعر ناقته ، فإن جاء المدينة لقد علف النواء ، فنظروا بعر الناقة فرأوا فيه النوى ، وواصل أبو سفيان سيره حتى أتى المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما أراد أن يجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم طوته عنه ، فقال : أرغبت به عني أم رغبت بي عنه ؟ فقالت : هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس فم أحب أن تجلس عليه ، فقال : لقد أصابك بعدي شر ، ثم خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ، ثم أتى أبا بكر فكلمه ليكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر فكلمه فقال : ما أنا بشافع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم خرج حتى أتى عليا فكلمه في ذلك ، فقال له : والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه ، فنادى فاطمة قائلا : يا بنت محمد هل لك أن تأمرى أبنك هذا يشير إلى الحسن وهو يومها غلام أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب ؟ ، فقالت : ما بلغ ابني أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله أحد ، ثم التفت إلى علي وقال : أرى الأمور قد اشتدت علي فأنصحني ، قال : إنك سيد كنانة فقم فأجر بين الناس والتحق بأرضك ، فقام أبو سفيان في المسجد وقال : أيها الناس قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره ، وقدم مكة وأخبر قريشا بما جرى له وما أشار به علي عليه ، فقالوا : والله ما زاد على أن سخر منك .

وعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزو قريش لفتح مكة لنقض قريش المعاهدة نقضا واضحا صريحا ، فتجهز وأمر أصحابه بذلك وقال : ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها ) ولما علم حاطب بن أبي بلتعة بعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على المسير إلى قريش وذكر أهله وولده بمكة ، وأن لا ولي له بها يدفع عن أهله وولده ، وعلم أن الله ناصر رسوله فكتب كتابا إلى قريش يعلمهم بما عزم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعث بالكتاب مع امرأة من مزينة اسمها : كنود ، وتحمله وتركب راحلتها وتسير ، وسبقها الوحي الألهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم  علي بن أبي طالب والزبير بن العوام لافتكاك الكتاب منها قبل وصولها إلى مكة فحرجا في طلبها فأدركاها وأخذا الكتاب منها ، وهذه من استجابة الله تعالى دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذ قال : ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش) وأحضر حاطبا وقال له : ( ما حملك على هذا ؟ ) فقال : والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، وما بدلت ولا غيرت ولكن لي بين أظهرهم أهل وولد ، وليس لي عشيرة فصانعتم عليهم ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فإنه قد نافق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) .

 واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصن الغفاري ، وخرج في عضرة آلاف مقاتل ، وذلك لعشر من رمضان ، وأثناء مسيره أدركه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس كما لقيه العباس بن عبد المطلب بذي الحليفة مهاجرا فأمره أن يرسل رحله إلى المدينة ويعود معه ، ففعل وقال له : أنت آخر المهاجرين وأنا آخر الأنبياء ، وصام صلى الله عليه وسلم وصام أصحابه حتى بلغ ما بين عسفان وأمج فأفطروا ، ولقيه في الطريق وهو نازل بنيق العقاب أبو سفيان بن الحارث بن عبد الملطب ، وعبدالله بن أبي أمية فالتمسا الدخول عليه صلى الله عليه وسلم فكلمته أم سلمة في شأنهما ، فقال : ( لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فقد هتك عرضي ،وأما ابن عمتي ، فهو الذي قال بمكة ما قال ) فلما سمعا ذلك وكان مع أبي سفيان ولد له يقال له جعفر ، فقال أبو سفيان : والله ليأذن لي أو لآخذن  بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا ، فرق لهما رسول الله عليه وسلم فأدخلهما إليه فأسلما .

 ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل ذا طوى ووقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء ، وفرق جيشه فأمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء ( المعلاة ) وسمع سعد بن عبادة يقول : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة .

فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : ( أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها ) ، وأمر خالدا أن يدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس وكان خالد على المجنبة اليمنى كما أن الزبير على المجنبة اليسرى ، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين  ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه صلى الله عليه وسلم لتواضعه لربه لما رأى من إكرام الله تعالى له تكاد لحيته تمس واسطة الرحل تواضعا الله تعالى فلم يدخل دخول الظلمة الفاتحين يكاد يطير بهم الزهو والخيلاء والكبر والصلف .

 وقد أوصى أمراءه ، أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم ، وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا فلما وصلهم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من القتال فقتل من المشركين نحو من ثلاثة عشر رجلا ، ثم انهزموا وقتل من المسلمين  كرز بن جابر وحبيش بن خالد بن ربيعة بسبب سلوكهما طريقا غير طريق خالد الذي سلكه .
 وكان قد ضربت للحبيب صلى الله عليه وسلم قبة بالحجون ، وها هو ذا صلى الله عليه وسلم يخرج منها في طريقه إلى المسجد الحرام وإلى جنبه الصديق يحادثه وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت فطاف سبعا على راحلته واستلم الحجر الأسود بمحجن كان بيده وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعن بعود في يده وهي تتساقط وهو يقول : ( جاء الحق وزهق الباطل ، وما يبدى الباطل وما يعيد ) .

 وأمر بالصور والتماثيل التي داخل البيت فأخرجت ورميت هي وسائر الأصنام خارج المسجد الحرام ، ودخل صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى فيها وكبر في سائر نواحيها ثم خرج فجلس في المسجد الحرام كالبدر في هالته والعيون إليه شاخصة والقلوب واجفة .

 ثم قام صلى الله عليه وسلم على الكعبة ، وقال : ( لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل دم أو مأثره أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أو أربعون منها في بطونها أولادها ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب ) ثم قال : ( يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ ) قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) ، فعفا عنهم بعد أن أمكنه الله تعالى منهم ، فضرب بذلك المثل في العفو والصفح على الجناة بعد القدرة عليهم والتمكن منهم .

 * غزوة هوازن : وانتهاء شهر رمضان بانتهاء فتح مكة المكرمة ، وما زال الرسول صلى الله عليه وسلم بها حتى بلغه أن هوازن لما سمعت بفتح مكة جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر ، وكانوا خائفين من أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ، وقالوا : لا مانع له من غزونا ، فمن الرأي أن نغزوه قبل أن يغزونا واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف ، وذو الخمار سبيع بن الحارث ، وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك ولم يحضرها من قيس عليلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر ، وناس بن هلال ، ولم يحضرها كعب ولا كلاب ،وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كيس ذو رأي .

 ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمعت عليه هوازن من حربه والتصدي له ، إذ كان قد أرسل عبدالله بن أبي حدود الأسلمي غلى هوازن لينظر ما هم عليه ، فذهب عبدالله ودخل بينهم وهم لا يعلمون به ، وتعرف إلى كل ما قاموا به وأجمعوا عليه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم ، فأجمع الرسول صلى الله عليه وسلم المسير إليهم ، وبلغه أن صفوان بن أمية عنده أدرع وسلاح ، وان لم يسلم بعد فأستعار منه مائة درع بما يصلحها من السلاح ، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد وخرج في اثني عشر ألفا ، ألفان من مسلمة الفتح وعشرة آلاف من الجيش الفاتح ، ولما ساروا قال قائل : لن نغلب اليوم من قلة .

 ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا ، فأما الأحلاف من ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين ، لأنهم أسرعوا الهرب فنجوا وقصد بعض المشركين الطائف ومعم مالك رئيس حربهم واتبعتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت بعضهم وكان بعض المشركين بأوطاس ، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري في رجال ، أرسلهم إلى المنهزمين المتوجهين إلى أوطاس فناوشوه بالقتال ، فرمي أبو عامر بسهم فقتل ، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن عمه فقاتلهم حتىفتح الله على يديه فهزمهم ، وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا فساقوا في السبي الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى فقالت لهم : والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة ، فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : إني أختك ، قال : ( وما علامة ذلك ؟ ) قالت : عضة عضضتها في ظهري وأنا متوركتك ، فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها فقال : ( إن أحببت فعندي مكرمة محببة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك ) قالت : بل تمتعني وترددني إلى قومي ففعل صلى الله عليه وسلم ، وأمر صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي ، واستشهد بحنين أيمن بن عبيدة وزيد بن زمعة بن الأسود بن عبدالمطلب وغيرهما .

 * حصار الطائف : إنه بعد الفتح ، والنصر على هوازن وثقيف بحنين وأوطاس ، وقد لاذت ثقيف ومن معها بالطائف حيث تحصنوا به وجمعوا فيه ما يحتاجون إليه إن طال الحصار بهم تبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فحاصروهم بمدينة الطائف الحصينة واستعمل في فك الحصار دبابة ومنجنيقا بإشارة سلمان الفارسي ، ومع هذا فلم يتيسر فتح الطائف ، لأن المشكرين استعملوا سلك الحديد المحماة وضربوا بها الدبابة ، فخرج منها رجالها وتعرضوا لنبل المشركين الذي صبوه عليهم من الحصون كالمطر فقتل من المسلمين رجال ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع أعتابهم لعلهم يفكون الحصار ، فمل يجد ذلك فيهم .

 وأثناء الحصار نزل بعض الرقيق من الحصون فأعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة ، وكني بأبي بكرة لنزوله من الحصن ببكرة ، وطالت مدة الحصار فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم بعض رجاله من ذوي الرأي فقال نوفل بن معاوية الدؤلي : يا رسول الله هم كثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك ، فأذن بالرحيل بعدما أقام بعضا وعشرين يوما .

 ولما كان صلى الله عليه وسلم سائرا إلى طائف وانتهى إلى نجرة الرغاء أمر بقتل رجل من بني ليث قصاصا ، لأنه قبل رجلا من هذيل ، فكان أول دم أقيد به في الإسلام ولما رجع الناس قال رجل من المسلمين : يا رسول الله ادع على ثقيف فقال : ( اللهم اهد ثقيفا وائت بهم )  .

 واستشهد من المسلمين  بالطائف اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وخمسة من الأنصار من بينهم عبدالله بن أبي بكر الصديق ، مات بالمدينة متأثرا بجراحاته وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
 
 * غزوة تبوك : غزوة تبوك تعتبر من أعظم مغازي الحبيب صلى الله عليه وسلم وذلك لصعوبة الظرف الذي وقعت فيه ، إذ هو ظرف جدب ومجاعة وشدة حر ، وبعد مكان وشقة ، وكثرة عدو وقوة ، ولم يكن هناك نفير عام في غزوة غير هذه ، ولم يكن الرسول القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم ليحدد اتجاهه في غزوة من الغزوات إلا في هذه .

 إن السبب الرئيسي في هذه الغزوة الصعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن هرقل ملك الروم ومن معه من العرب المتنصرة من قبائل لخم وجذام قد أجمعوا المسير إلى الحجاز لحرب محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين مبادرة منهم له حتى لا يكون هو الذي يغزوهم بعد أن ذاقوا مرارة غزوة مؤته التي جلبوا لها مائتي ألف مقاتل ، ولم يتمكنوا من إبادة ثلاثة آلاف مقاتل لا غير ، بل ولا حتى هزيمتهم .

 وأعلن الحبيب صلى الله عليه وسلم لأول مرة عن قصده فلم يور ولم يعم كما كان من قبل يوري ويعمي على العدو ، بل أمر الناس بالجهاز ، وأعلمهم أنه يريد غزو الرم وأعلن التعبئة العامة ، وتجهز أقوام وتباطأ آخرون ،  ولما كان المال ضروريا للتجهيز الكامل من رجال وسلاح وكراع أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم بجمع الأموال ، وتسابق الصالحون في هذا الميدان فأنفق أبو بكر الصديق كل ما يملك ، وأنفق عمربن الخطاب نصف ما يملك ، وأنفق عثمان نفقة قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أرض عن عثمان ، فإني عنه راض ) إنه جهز جيش العسرة وحده أو كاد إذ أنفق ألف دينار وألف بعير وحمل رجال من أهل اليسار والغنى واحتسبوا أجرهم على الله تعالى .

 واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة سباع بن عرفطة ، وعلى أهله علي بن أبي طالب وأرجف المنافقون ، وقالوا : ما خلف عليا غلا استثقالا له ، فسمع ذلك علي فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا سلاحه ، وأخبره بما قال المنافقون ، فقال : ( كذبوا وإنما خلفتك لما ورائي فأرجع فأخلفني في أهلي وأهلك ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبي بعدي ) فرجع علي ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى جلاد بني الأصفر .

 وتأخر عن المسيرة أبو خيثمة ، وكان له زوجتان وجاءهما يوما فوجد كل واحدة منهما قد رشت بالماء عريشها وبردت الماء له ، وصنعت الطعام ، فلما رأى ذلك أبو خيثمة قال على الفور : أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح ، وأبو خيثمة في الظل والماء البارد مقيم ، ما هذا بالإنصاف ، والله ما حل عريشا منهما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأ زاده وخرج إلى ناضحه فركبه وجرى وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه في تبوك ، ورآه الناس من بعيد فقالوا : يا رسول الله راكب مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كن أبا خيثمة ) فقالوا : هو والله أبو خيثمة ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبره ، فدعا بدعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم .