إنه ما إن بركت الناقة وضربت بجرانها من مساء يوم الجمعة من شهر ربيع الأول ، حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد الذي بركت فيه الناقة لمن هو ؟ وقال : ( يا معشر الأنصار ثامنوني بحائطكم هذا لأتخذه مسجدا ) وقال معاذ بن عفراء : هو ليتيمين لي هما سهل وسهيل ابني عمرو وسأرضيهما فاتخذه مسجدا .

 وأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه بالشروع في العمل وتقدمهم لذلك تشجيعا لهم واندفعوا مهاجرين وأنصارا يعملون حتى قال قائلهم : لئن قعدنا والنبي يعمل   لذاك منا العمل المضلل .

 وكان بالمربد قبور مشركين ونخل وخرب فأمر النخل فقطع والخرب فسويت وبالقبور فنبشت ، وأخذوا ينقلون الحجارة وهم يرتجزون : اللهم لا خير إلا خير الآخره   فأنصر الأنصار والمهاجره ، والرسول صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة ويقول : ( لا عيش إلا عيش الآخره اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ) ، وارتجز علي قائلا : لا يستوي من يعمر المساجد   يدأب فيه قائما وقاعدا   ومن يرى عن الغبار حائدا .

 فأخذ عمار بن ياسر يرتجزها فظن أحد الأصحاب أنه يعنيه بها تعريضا به فقال لعمار : يا ابن سمية والله إني لأراني سأعرض هذا العصا لأنفك فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وقال : ( ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) وتم بناء المسجد بالحجارة وكان سقفه جريد النخل وبنى بإزائه حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم .

 وكان هذا المسجد المبارك أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها ، وذلك لفضلها واستواء سائر المساجد في الفضل دونها فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) وقال صلى الله عليه وسلم في بيان فضله : ( صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) وقال: ( من أتى مسجدي هذا لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) .

 إنه من ساعة حلوله بالمدينة أخذ صلى الله عليه وسلم على عاتقه مهمة الإصلاح والتأسيس والبناء للمجتمع المسلم والدولة الإسلامية الوارثة لأكبر دولتين عالميتين وهما دولة الفرس ودولة الروم ، وهذا هي الخطوات .

 الخطوة الأولى : كانت في الإصلاح والبناء والتأسيس بناء المسجد النبوي الشريف والحجرات الطاهرات .

 الخطوة الثانية : إنها استقدام الأسرتين الشريفتين أسرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وأسرة الصديق رضي الله عنه ، إنه لما كان عبد الله بن أريقط الخبير بالطرق استأجره الرسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبه في هجرتهما عائدا إلى مكة المكرمة بعث معه الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ومولاه أبا رافع بمال ورواحل ، وأمره أن يأتي ببقية أسرته الشريفة ، فجاء فعلا ببناته الطاهرات فاطمة وغيرها ما عدا زينب فإنها تحت أبي العاص بن الربيع ، وكذلك فعل الصديق إذ بعث في طلب أسرته ، فجاء بها ولده عبدالله بن أبي بكر ، ومن بينهم عائشة أم المؤمنين كما جاء بأم أيمن زوج زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا استقر النبي صىل الله عليه وسلم بالمدينة دار هجرته ، والتي أصبحت تعرف به فيقال المدينة النبوية .

 الخطوة الثالثة : الاتصال باليهود بواسطة  عبد الله بن سلام رضي الله علنه ، ودعوتهم إلى الإسلام ، إنه ما إن نزل صلى الله عليه وسلم بطيبة حتى جاءه عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود بيثرب ليمتحنه في صدق نبوته وصحة رسالته فيسأله ما أول أشراط الساعة ، ما أول طعام أكله أهل الجنة ، ما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه ، فأجابه الحبيب صلى الله عليه وسلم قائلا : ( أخبرني بهن جبريل آنفا ) فقال عبدالله : جبريل ؟ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم ) ، قال عبدالله : هو عدو اليهود من الملائكة ، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يشرح مضمون الأسئلة فقال : ( أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه ) ، وهنا قال عبدالله بن سلام : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله .

 ولما أسلم عبدالله بن سلام وحسن إسلامه كانت الفرصة مواتية للاتصال باليهود ودعوتهم إلى الإسلام ، فقال عبد الله : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وهم يعلمون إني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فأدعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت ، فإنهم إن يعلموا إني قد أسلمت قالوا في ما ليس في ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه ، فقال لهم :   ( يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم تعلمون إني رسول الله حقا وإني جئتكم بحق فأسلموا ) فأجابوا قائلين : ما نعلمه ،  فأعاد صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ثلاث مرات ، ثم قال لهم : ( فأي رجل فيكم عبدالله بن سلام ؟ ) قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا ، قال : ( أفرأيتم إن أسلم ؟ ) قالوا : حاشا لله ما كان ليسلم وهنا قال الحبيب صىل الله عليه وسلم : ( يا ابن سلام اخرج عليهم ) ، فخرج فقال : يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم تعلمون أنه رسول الله ، وأنه جاء بالحق ، فلما سمعوا هذا القول قالوا : شرنا وابن شرنا وتنقصوه فأخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال عبدالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا الذي كنت أخاف ، وكان عبد الله بن سلام يقول : لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة نظرت إلى وجهه فعرفت أنه ليس بوجه كذاب ، وكان أول شيء سمعته منه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) .

 الخطوة الرابعة : وضعه صلى الله عليه وسلم ميثاقا للمهاجرين والأنصار متضمنا موادعة اليهود بالمدينة ، إن من أبرز الجهود التي بذلها الحبيب صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء كتابه الذي كتبه فضمنه ميثاقا في غاية الدقة ، وحسن السياسة فألف بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين وجيرانهم من طوائف اليهود وربط بينهم فأصبحوا به كتلة واحدة يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء  ، وهذا بعض ما جاء فيه من مواد في غاية الأهمية :

  * إن المؤمنين لا يتركون مفرحا  بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل .

  * لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه .

  * إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين ، وإن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم .

  * لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ، وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم .

  * إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإنه من تبعنا من يهود ، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .

  * إن سلم المؤمنين واحد لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم .

  * من اغتبط مؤمنا قتلا عن بينه فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه .

  * إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم ، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته .

  * إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه ، وإن النصر للمظلوم ، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم .

  * إنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ، ولا يؤويه ، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل .

  * وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 الخطوة الخامسة : هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، إنه من الرشد والكمال النبوي ، والنضج السياسي ، والحكمة المحمدية خطوة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ظرف كان المهاجرون فيه أحوج ما يكونون إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم ، وحلوا ببلد لم يكن ليتسع حتى لأهله فضلا عن النازحين إليه .

 وبهذه المؤاخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار ، والتي كان الأنصاري فيها يقول لأخيه المهاجر : انظر إلى أعجب نسائي إليك أطلقها ، فإذا انتهت عدتها تزوجتها ، بهذه المؤاخاة كان المجتمع المدني قد التحم بعضه ببعض ، وأصبح جسما واحدا ينهض بكل عبء يلقى عليه ، وبذلك أعده الرسول الحكيم لتحمل عبء إعلان الحرب على الأبيض والأصفر ، وقتال القريب والبعيد من كافة أهل الشرك والكفر .

وها هي ذي الكلمة الطيبة التي قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم فتمت بها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إنها هي قوله  : ( إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم ) .

 وما إن قالها حتى قال الإنصار : أموالنا بيننا قطائع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أو غير ذلك ) فقالوا : وما ذاك يا رسول الله ، قال : ( هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم العمل ، وتقاسمونهم الثمر ) ، قالوا : نعم ، وبعدها قال المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا من كثير ، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( لا ، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم ) .

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل الإسراء والمعراج يصلي هو والمؤمنون معه ركعتين في الصباح وركعتين في المساء ، ولما أسري به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، وعرج به إلى الملكوت الأعلى فرض الله تعالى عليه وعلى أمته الصلوات الخمس ، ونزل جبريل عليه السلام فصلى بالرسول صلى الله عليه وسلم عند الكعبة فعلمه كيفية الصلوات الخمس ، وبين له أوقاتها الاختيارية ، والضرورية ولما هاجر إلى المدينة بعد ثلاث سنوات من فرض الصلوات الخمس نزلت الرخصة بقصر الرباعية إلى ركعتين في السفر كما كانت ركعتين قبل الإسراء والمعراج .

 أما الأذان فإنه بعد أن استقر الحبيب صلى الله عليه وسلم بالمدينة وبنى مسجده فيها ( وأصبح المسلمون ) يجتمعون فيه للصلاة ، وكانوا يأتون وقت الصلاة بدون إعلام فيصلون وينصرفون ، ويأتون في الوقت التالي للأول وهكذا ، ثم رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي أن يكون هناك ما يعلم به المسلمون دخول وقت الصلاة وقرب إقامتها ، فاستشار أصحابه فأشاروا عليه بالبوق فكرهه لاستعمال اليهود له ، وأشاروا بالناقوس فكرهه أيضا لاستعمال النصارى له ، وانصرفوا ولم يتفقوا على شيء ، فنام عبد الله بن زيد الأنصاري الخزرجي فرأى أن رجلا عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده فقلت له : يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس ؟ ، فقال : وما تصنع به ؟ ، قلت : ندعو به إلى الصلاة ، قال : ألا أدلك على خير من ذلك ؟ قلت : وما هو ؟ ، قال : تقول الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، فأخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنها رؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقها عليه فإنه أندى صوتا منك ) .

 فلما أذن بها  بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه ويقول : يا نبي الله ، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( فلله الحمد ) ، وزاد بلال في أذان الفجر الصلاة خير من النوم فأقر عليها ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا الإقامة فقال له : ( وإذا أقمت للصلاة تقول الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ) .

 ومن أحداث هذه السنة المؤلمة وفاة كلثوم بن الهدم الرجل الذي أسلم قبل مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ولما نزل صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة إلى قباء نزل في منزله فشرفه الله تعالى بنزول صفيه وخيرته من خلقه في منزله ولم يلبث كلثوم بن الهدم إلا قليلا ، وكان رجلا مسنا حتى مات .

 ومات بعد كلثوم أبو أمامة أسعد بن زرارة أحد النقباء وهو أول من بايع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية ، وكانت وفاته بسبب ذبحة صدرية ، ولما مات قال اليهود والمنافقون : لو كان محمد نبيا لما مات صاحبه ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إني لا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا ) .

 وطلب بنو النجار من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن مات أبو أمامة نقيبهم أن يقيم لهم نقيبا آخر فقال لهم : ( أنتم أخوالي وأنا بما فيكم ، وأنا نقيبكم ) ، فكانت هذه منقبة لبني النجار يعتدون بها على قومهم ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم تعيين أحد منهم كراهة أن يفضل بعضهم على بعض فخصهم بفضيلة عامة لهم جميعا وهي كونه صلى الله عليه وسلم نقيبا لهم ، وهذا من الحكمة المحمدية والرشد والنضج السياسي ، اللهم صلى على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

 ومن أحداث هذه السنة الأولى من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم المفرحة ولادة عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما ، فقد جاءت أسماء إلى المدينة مهاجرة ضمن أسرة الصديق وهي متم فما إن نزلت بقباء حتى وضعت عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما فجاءت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فحنكه بأن أخذ تمرة فمضغها ثم أدخلها في فم الطفل فكان أول شيء دخل جوفه ريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعا له بالبركة وكبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بهذا المولود الذي كان أول مولود يولد للمهاجرين في الإسلام كما كان النعمان بن بشير أول مولود ولد في الإسلام للأنصار ، وبذا أخرس الله ألسنة اليهود ، إذ ادعوا أن المسلمين قد سحروا ، فلذا لم يولد لهم فأكذبهم الله في دعواهم بولادة عبدالله بن الزبير ، ولادة النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين .

 ومن أحداث هذه السنة الأولى المفرحة بناء النبي صلى الله عليه وسلم بزوجه عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، إذ كان قد عقد عليها صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وذلك بعد وفاة خديجة رضي الله عنها ، وكان عمرها إذ ذاك ست سنوات ، وفي شوال من هذه السنة المباركة بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بدار أبيها بالسنح نهارا وهي بنت تسع سنوات ، وكان بعض الناس يتشاءمون بالبناء بين العيدين فردت عليهم عائشة بقولها : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال ، وبنى بي في شوال ، فاي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني ؟

 إنه بعد أن أصبحت المدينة وكأنها دار إسلام محضة على الرغم  ممن فيها من المشركين ، والمنافقين واليهود حيث أصبح للمؤمنين فيها شوكة وقوة لا يستهان بها أذن الله تعالى للمسلمين بالقتال ، وعملا بهذا الإذن الإلهي أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث بالسرايا لتعقب قوافل المشركين التجارية لعله يظفر بأموالهم التي أصبح المسلمون أحق بها وأولى منهم بمثلها ، فبعث أول سرية ، وهي سرية حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعقد له لواء أبيض وهو أول لواء أو راية عقدت في الإسلام ، وبعث معه ثلاثين رجلا من المسلمين المهاجرين ، وذلك ليعترض عير قريش التجارية المارة بسيف البحر التي كان عليها أبو جهل في ثلاثمائة رجل من قريش ، ولم يقع بينهم قتال ، لحجز مجدي بن عمرو الجهني بينهم إذ كان مجدي موادا للفريقين معا ، وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد الغنوي ، وكانت هذه السرية في شهر رمضان بعد سبعة أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 في شهر شوال وهو الشهر الثامن من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم عقد صلى الله عليه وسلم لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم لواء أبيض وأمره بالسير إلى بطن رابغ من الحجاز ، وكان اللواء مع مسطح بن أثاثة ، فسار في ستين رجلا ليس بينهم أنصاري قط ، ساروا طالبين قافلة للمشركين أفرادها مائتا رجل فالتقوا معهم على ماء يقال له : ( أحياء ) وكان على المشركين عكرمة بن أبي جهل أو مكرز بن حفص ، ولم يقع بينهم قتال ، وإنما تراموا بالسهام ، فأصيب سعد بن أبي وقاص بسهم ، فكان أول سهم رمي به في الإسلام ، ثم انصرف القوم عن القوم ، وفر إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان جابر المازني ، وقد كانا مسلمين ، وإنما خرجا مع الكفار من أجل أن يهربا إلى المسلمين لمنع المشركين لهما من الهجرة ، وحبسهما دونها .

 وفي ذي العقدة من سنة الهجرة الأولى المباركة ، وبعد سريتي حمزة وعبيدة عقد صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لواء أبيض وأرسله في عشرين رجلا يمشون على أقدامهم يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار ، وكان يحمل اللواء المقداد بن الأسود رضي الله عنه ، وكان أفراد السرية كلهم مهاجرين ليس بينهم أنصاري ، أرسلهم إلى ( الخرار ) وعهد إليهم أن لا يتجاوزوه فساروا ففاتتهم عير المشركين ، إذ وصلوا الخرار صبح خامسة ، وسبقتهم عير قريش بيوم فلم يظفروا بها ، ولم يقع قتال ، وعادوا سالمين غانمين الأجر والمثوبة ، دون ما خرجوا له من الظفر بعير المشركين .

 إنه ما إن انقضت السنة الأولى من سني الهجرة المباركة للحبيب صلى الله عليه وسلم ولاح في الأفق ظهور الإسلام ، وعزة أهله حتى نجم النفاق من اليهود والمشركين معا ، وأخذ التحزب والتكتل ضد الإسلام والمسلمين يلوح في الأفق ، وأصبحت المدينة ميدانا للصراع الداخلي .

 إن من بين من عرفوا بالنفاق من اليهود بالمدينة حيث أظهروا الإسلام كيدا للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ومكرا بهم ، وهم مصرون على كفرهم ويهوديتهم .

  1 - زيد بن اللصيت وهو القائل لما ضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم : يزعم محمد أنه نبي يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ، ولما بلغ هذا القول النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لا أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها ) فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك .

  2 - رافع بن حريملة وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ( مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ) .

 3 - 4 - رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث أظهرا الإسلام نفاقا ومكرا وخديعة فوادهما بعض المسلمين اغترارا بهم ، هذا إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه ، ويقول : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ، ثم طعن في الإسلام وعابه .

 5- 6 - 7 - سعد بن حنيف ونعمان بن أوفى بن عمرو وأخوه عثمان بن أوفى .

 8 - 9 - سلسلة بن يرهام ، وكنانة بن صوريا .

 كل هؤلاء كانو من أحبار اليهود فأسلموا نفاقا للدس والفتنة والوقيعة بين المسلمين ، فهؤلاء تسعة من أحبار اليهود أسلموا ظاهرا وهم كفار باطنا ، وكان غرضهم من إسلامهم الدس والوقيعة بين المسلمين ، والفتنة لضعفاء الإيمان ، والتعرف على أحوال المسلمين الخفية ليقفوا في طريق دعوة الإسلام حتى لا تظهر ولا تنتشر حفاظا على كيانهم المزعزع وتشبثا بحلمهم وهو إعادة مجد ومملكة بني إسرائيل التي تحكم من النيل إلى الفرات .

 لقد كان لمنافقي اليهود أثر كبير على المشركين إذ جل المنافقين من المشركين كان نفاقهم بسبب منافقي اليهود ، إذ حسنوا لهم ذلك تحت عنوان النصيحة لهم ، وإرشادهم إلى السلوك اللائق بهم حفاظا على وجودهم ومكانتهم بين الناس ، ومن بين من عرف من منافقي المشركين هم :

 1 - زوي بن الحراث من بني عمرو بن عوف .

 2 - جلاس بن سويد بني حبيب ، وكان ممن تخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو القائل : لئن كان هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم صادقا لنحن شر من الحمر ، وسمع هذه المقالة الخبيثة ربيبه عمير بن سعد فقال له : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي يدا ، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك ، ولئن صمت عليها ليهلكن ديني ، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى ، ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال جلاس ، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كذب علي عمير ، وما قلت ما قال عمير بن سعد ، وقد روي أن جلاسا قد تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الخير والإسلام .

 3 - الحارث بن سويد أخو جلاس بن سويد ، كان منافقا فخرج مع المسلمين يوم أحد فقتل المجذر البلوي ، وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة أخذا بثأر له منهما إذ قتلا أباه في الجاهلية ، ثم التحق بقريش بمكة ، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه بالمدينة .

 4 - نبتل بن الحارث من بني لوذان بن عمرو بن عوف هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ) وكان رجلا جسيما أذلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسفع الخدين ، وكان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث إليه فيسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو القائل إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه .

 5 - مربع بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه ( بستانه ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد : لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمر في حائطي ، وأخذ حفنة من تراب ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به ، ولما ابتدره الصحابة أن يقتلوه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصيرة ) وضربه سعد بن زيد بالقوس فشجه في رأسه .

 6 - أوس بن قيضي أخو مربع وهو الذي قال يوم الخندق : يا رسول الله إن بيوتنا عورة فأذن لنا فلنرجع إليها .

 7 - حاطب بن أمية بن رافع الخزرجي ، وكان شيخا كبيرا في الجاهلية له ابن من خيرة المسلمين يقال له يزيد بن حاطب أصيب يوم أحد فنقل مثخنا بجراحاته إلى دار بني ظفر فاجتمع إليه من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت فقالوا له : أبشر يا ابن حاطب بالجنة فنطق أبوه حاطب المنافق فقال : أجل جنة والله من حرمل غررتم والله هذا المسكين من نفسه .

 8 -  بشير بن أبيرق أبو طعمة سارق الدرعين .

 9 - قزمان حليف لبني أبيرق والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه من أهل النار ) وذلك أنه قاتل يوم أحد قتالا شديدا وقتل بضعة نفر من المشركين فأثبتته الجراحات فحمل إلى دار بني ظفر ، فقال له رجال من المسلمين : أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم ، وقد أصابك ما ترى ، قال : بما أبشر فوالله ما قاتلت إلا حمية عن قومي ، فلما أشتدت به جراحاته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه ، فصدق عليه قول الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( إنه من أهل النار ) .

 10 - عبد الله بن أبي بن سلول الحزرجي وهو رأس المنافقين ، وإليه يجتمعون وهو القائل : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، وذلك في غزوة بني المصطلق ، وفيه وفي رهطه نزلت سورة المنافقون بأسرها ، وهم الذين كانوا يدسون إلى بني النضير حين حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون لهم : اثبتوا .

هؤلاء عشرة من منافقي المشركين الذين كانوا يمالئون اليهود وغيرهم على الإسلام ، وقد أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامه ومات على النفاق من مات منهم ، بحيث لم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم منافق ، لا من اليهود ولا من المشركين ، إذ اليهود قد أنهي وجودهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا ثلاث طوائف : بنو قينقاع وبنو النضير ، وبنو قريظة ، أما بنو قينقاع وبنو النضير فقد أخرجوا من المدينة ، وأما بنو قريظة فقد أعدموا فيها لخيانتهم وغدرهم ولم يسلم منهم إلا القليل ، ومن أشهر من أسلم من أحبار اليهود وعقلائهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، ومخيريق وقد أسلم يوم أحد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مخيريق خير يهود ) وذلك أنه خرج يوم أحد بسلاحه وقال لرهطة : إن مت فمالي لمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن وعظ أهله ودعاهم إلى الإسلام ثم قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل فرضي الله عنه وأرضاه .

 إن من ذكرنا من منافقي اليهود كانوا قد ادعوا الإسلام كذبا لأجل الدس والوقيعة بين المسلمين ، وهناك عدد كبير من أحبار اليهود لم ينافقوا بل أعلنوا عن عدائهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، حملهم على ذلك البغي والحسد للعرب على ما فضلهم الله تعالى من اصطفاء محمد رسولا منهم إلى الناس كافة .

 ولنذكر هنا رؤساءهم من أهل البغي والحسد والضغينة منهم وما كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سوء القول وقبيحه جدالا مرة وعنادا مرة أخرى ، وتطاولا واعتزازا مرة ثالثة ونذكر منهم :

  * حيي بن أخطب النضري وكان أخبثهم وأكثرهم عداء للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهو أبو صفية زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ن وأخواه أبو ياسر بن أخطب وجدي بن أخطب ، وسلام بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وأخوه سلام بن أبي الحقيق ، ورافع الأعور الذي قتل بخيبر ، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وعمرو بن جحاش ، وكعب بن الأشرف وهو طائي وأمه نضرية ، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف ، وكردم بن قيس حليف كعب بن الأشرف وكل هؤلاء نضريون .

 * وعبدالله بن صوريا الأعور ، وكان أعلم أحبار اليهود بالحجاز وهو من بني ثعلبة .

 * ورفاعة بن قيس ، وسويد بن الحارث ، وفنحاص ، وشاس بن عدي ، ومالك بن صيف ، ورافع بن أبي رافع ، ورافع بن حريملة ، ومالك بن عوف ، وكعب بن راشد ، وعازر وكل هؤلاء من بني قينقاع ، ومنهم عبد الله بن سلام وقد أسلم وحسن إسلامه وكان مبشرا بالجنة ، والزبير بن باطا وعزال بن شميل ، وكعب بن راشد ، ووهب بن يهوذا ، وأسامة بن حبيب ، ورافع بن رميلة ، ونافع بن أبي نافع ، وعدي بن زيد ، وهؤلاء كلهم قرظيون .

 ولبيد بن أعصم وهو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة بناته وهو من بني زريق ، وكنانة بن صوريا وهو من بني حارثة .

 نذكر جدال النصاري وعنادهم المتمثل في وفد نجران ، وإن كان هذا الوفد لم يفد هذه السنة الأولى من الهجرة إذ وفد في سنة الوفود وهي سنة تسع من الجهرة .

 وكان أفراد هذا الوفد ستين راكبا من بينهم أربعة عشر راكبا من أشرافهم ، والذين يؤول أمرهم إليهم من رجال الوفد ثلاثة وهم : العاقب واسمه عبد المسيح ، والسيد واسمه الأيهم ، وأبو حارثة أسقفهم وهو أحد بني بكر بن وائل ، وكانت له منزلة رفيعة عند ملوك الروم ، لما أداه من اجتهاد في دينهم ، ولما كان عليه من العلم ، فلذا أمدوه بالمال ، فبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات .

 ولما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة جلس إمامهم أبو حارثة على بغلته التي يركبها متوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة ، فعثرت بغلته فقال أخوه كرز : تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أخوه أبو حارثة : ل أنت تعست ، فقال : ولم يا أخي ؟ قال : والله للنبي الذي كنا ننتظر ، فقال له كرز : ما يمنعك منه أي من الإيمان به واتباعه ، وأنت تعلم هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلا خلافه فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى ، فأضمرها كرز وأسلم بعد .

 وحضرت صلاة العصر وقد دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلوا العصر إلى المشرق ، وكان بعض الصحابة أنكر عليهم ذلك فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوهم يصلوا إلى المشرق إذ تلك قبلتهم في كنائسهم ) .

 فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة وهم أبو حارثة ، والعاقب ، والسيد وهم مع اختلافهم في أمرهم يقولون في المسيح : هو الله ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة ، وهذا قول أهل الملة النصرانية ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله ، لأنه لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد ، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله ، ويحتجون في قولهم : إنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى : فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا ، فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا : فعلت وقضيت وأمرت وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم ، ويحتجون في قولهم : هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا .

 ولما كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( أسلموا ) فقالوا : قد أسلمنا ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنكم لم تسلموا فأسلموا ) ، قالوا : بلى ، قد أسملنا قبلك ، قال : ( كذبتم يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله ولدا ، وعبادتكم الصليب وأكلكم الخنزير ) ، قالوا : فمن أبوه يا محمد فصمت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ، وأنزل الله تعالى نيفا وثمانين أية من أول سورة آل عمران في شأن عيسى ، فحدثهم عنه بالتفصيل ، وبدأ الحديث بولادة جدته حنة لأمه مريم في حديث عجيب يدل دلالة قطعية على عبودية عيسى عليه السلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

 ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهاة ، وخرج صلى الله عليه وسلم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ، فلما رأوهم قالوا : هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها ، فخافوا ، ولم يباهلوا .
 فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما تريد أن تفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا ، ثم خلوا بالعاقب الذي هو صاحب الرأي فيهم فقالوا له : يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصاري لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أتيتم إلا إلف دينكم ، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم .

 فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ، أن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضا .

 وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألفي حلة ، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن دينهم ، ولا يعشروا ، وشرط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به ، وبعث معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة المحمدية رضي الله عنه وأرضاه .