إنه ما إن ركب صلى الله عليه وسلم راحلته ، وسارت به من ديار بني سالم متجهة نحو المدينة ، وأهل كل دار من دور الأنصار يمر بها إلا ويستقبله رجالها قائلين هلم إلينا يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة وهم ممسكون بخطام ناقته وهو يقول : ( دعوها فإنها مأمورة ) .

 وخرج أهل المدينة لاستقبال الحبيب صلى الله عليه وسلم عن بكرة أبيهم ، فامتلأت بهم الطرق ، وظهروا على سطوح المنازل نساء وأطفالا ورجالا وهم يقول : الله أكبر جاء رسول الله ، الله أكبر جاء محمد ، الله أكبر جاء رسول الله ، والنساء والصبيان يضربون بالدفوف وينشدون : طلع الفجر علينا    من ثنيات الوداع   وجب الشكر علينا   ما دعا الله داع    أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع   جئت شرفت المدينة    مرحبا يا خير داع .

 وواصل الحبيب سيره في تلك الحشود الحاشدة ، والجموع المتجمعة في هذا اليوم التاريخي العظيم الذي قال فيه أنس بن مالك : لقد رأيت اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، واليوم الذي قبض فيه فلم أر يومين مثلهما قط ، حتى انتهى إلى قرب دار أبي أيوب الأنصاري ، فبركت والرسول صلى الله عليه وسلم مرخ الزمام لها ، ثم وثبت فسارت غير بعيد ، ثم بركت وتلحلحت وضربت بجرانها في الأرض فنزل عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب الرحل فوضعه في بيته ونزل النبي صلى الله عليه وسلم بداره لأنه أحد أخوال أبيه من بني النجار .

 نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسفلي من الدار ، وأبو أيوب وأم أيوب بالعلوي فآلم ذلك أبا أيوب ، فقال : يا رسول الله إني أكره أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فأظهر أنت فكن في العلوي وننزل نحن فنكون في السفلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في أسفل البيت ) وبذلك طابت نفس أبي أيوب رضي الله عنه .
 وكان أبو أيوب يصنع للرسول الطعام فإذا أكل منه صلى الله عليه وسلم وتركه أخذ وقدم لأبي أيوب ليأكل منه ، فكان رضي الله عنه يسأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتتبع موضع أصابعه فيأكل منه رجاء البركة ، فصنع له يوما طعاما فيه ثوم ، فما رد إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرام ؟ فقال : ( لا ، ولكني أكره ذلك ) ، وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي الملك ، وغيره لا يناجي .