إنه بعد أن خرج المؤمنون من مكة إرسالا إلى المدينة مهاجرين ولم يبق منهم إلا محبوس أو مفتون كان الحبيب صلى الله عليه وسلم في انتظار الإذن له من ربه عز وجل بالهجرة ، وأبقى معه عليا لحاجته إليه وأما أبو بكر الصديق ، فإنه كثيرا ما كان يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول : لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصاحب ، وفي هذه الأيام بالذات كان رجال قريش يتخوفون منه صلى الله عليه وسلم أن يلتحق بدور الأنصار وهم ذوو شوكة ومنعة وقد لحق بهم المؤمنون فقرروا عقد اجتماع لهم بدار الندوة يحضره أولو الرأي والمشورة منهم للتفكير في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وجاؤوا دار الندوة وإذا بشيخ جليل عند بابها فسألوه من أنت ؟ قال شيخ من نجد : سمعت بما اتعدتم عليه ، فحضرت لأسمع ما تقولون وعسى أن لا تعدموا مني رأيا ونصحا ، فدخل معهم وقد ضم الاجتماع أبا سفيان وأبا جهل والنضر بن الحارث وكبار رجال قريش ، ودارت المناقشة للبحث عن المخرج ، فقال بعضهم : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم - يعنون النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنا والله ما نأمنه من الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا ، فقال بعضهم : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله - يريدون حتى يموت في الحبس .

 وهنا قال الشيخ النجدي ، وهو إبليس عليه لعنة الله أتاهم في صورة شيخ جليل ليثقوا فيما يقترحه عليهم ، جاء لينتقم فقال : لا ، والله ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا غيره ، فتشاوروا ، ثم قال بعضهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا أخرج عنا فوالله لا نبالي أين ذهب ، قال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم بالرأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على عقول الرجال بما يأتي به ، دبروا فيه أمرا غير هذا ، فقال أبو جهل : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه أبدا ، قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صاراما ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ، ويتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فيرضون منا بالعقل فنعقله لهم أي ندفع ديته لهم ، وهنا قال الشيخ النجدي : هذا الرأي الذي لا رأي غيره ، فأجمعوا عليه ونفذوا خطتهم ، وقد أوحى الله تعالى بذلك إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمر صلى الله عليه وسلم ابن عمه عليا بأن ينام على فراشه ويتغطى ببرده صلى الله عليه وسلم ، وأعلمه أنه لا يناله ما يكره إن شاء الله تعالى ، ثم أخذ صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب وخرج ، فأعمى الله أبصارهم ، فخرج من بين أيديهم ووضع التراب على رؤوسهم وهم لا يشعرون ، وانصرف صلى الله عليه وسلم حيث أراد ، وبعد ساعة أتاهم آت فقال لهم : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمدا ، فقال : خيبكم الله قد والله خرج عليكم ، ثم ما ترك رجلا منكم إلا وضع التراب على رأسه ، وانطلق لحاجته ، فوضع كل واحد منهم يده على رأسه فإذا التراب عليه ، فجعلوا يتطلعون من خلال شقوق الباب فيرون عليا على الفراش متغطيا ببرد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علي رضى الله عنه عن الفراش فلما رأوه قالوا : والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا وانصرفوا .

 كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة ، فإنه أتانا بالهاجرة ، وساعة كان لا يأتينا فيها .
 فلما رآه أبو بكر قال : ما جاء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت إلا أمر حدث ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخر له أبو بكر عن سريره فجلس صلى الله عليه وسلم وليس عند أبي بكر إلا عائشة و أسماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخرج من عندك ) فقال : يا رسول الله إنما هما بنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ فقال : ( إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة ) فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ، قال : ( الصحبة ) ، قالت عائشة : والله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ، ثم قال أبو بكر : يا نبي الله إن هاتين راحلتان ، قد كنت أعددتهما لهذا ، فاستأجرا عبدالله بن أريقط من بني الديل ، وكان مشركا ليدلهما على الطريق فدفعا إليه الراحلتين يرعاهما لميعاد خروجهما من مكة إلى المدينة ، ولما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج عهد إلى علي بن أبي طالب أن يتخلف بعده بمكة ليؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، إذ كان الناس يضعون عنده ودائعهم مما يخافون عليه ، وذلك لما رأوا من أمانته وصدقه .

 وأتى أبا بكر فخرج معه من خوخة له في ظهر بيته فعمدا إلى غار ثور وأمر أبو بكر ابنه عبدالله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما مساء بما كان في ذلك اليوم من الخبر ، كما أمر أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهارا ثم يريحها عليهما مساء ، ليسقيهما من لبنها ، وإذا جاءهما عبدالله أو أخته أسماء بطعام اتبع عامر أثرهما بالغنم فعفى أثرهما .

 وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ثلاثة أيام ، وطلبهما المشركون طيلة الثلاثة أيام ، ومن آيات النبوة أن العنكبوت نسجت على الغار ، والحمامة عششت وباضت تعمية على الطالبين من المشركين .

 ولما مضت ثلاثة أيام ، وسكن الناس عنهما ، ويئسوا من العثور عليهما أتاهما من استأجراه بالراحلتين ، وكانت أسماء قد جاءت بطعام في سفرة ، ونسيت أن تجعل له عصاما وأرادت أن تعلق السفرة بالبعير فلم تستطع ذلك فشقت نطاقها نصفين فعلقت السفرة وانتطقت بالنصف الآخر فمن ثم لقبت بذات النطاقين .

 ولما كان المشركون يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وهما في الغار سمع أبو بكر قرع نعال الطالبين ، فخاف حزنا وقال : يا رسول الله ، لو يرفع أحدهم قدمه لرآنا ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما بالك يا أبا بكر بأثنين الله ثالثها ) .

 وخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم وصاحبه بعد هدوء الأحوال ، وتلقاهما من استأجراه بالراحلتين فقدم أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلهما وقال : اركب فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أركب بعيرا ليس لي ) فقال الصديق : هو لك فداك أبي وأمي ، فقال الحبيب : ( لا ، إلا بالثمن الذي ابتعتها به ) فقال أبو بكر : هو كذا وكذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قد أخذتها به ) وركبا وانطلقا وقد أردف أبو بكر مولاه عامر بن فهير ليخدمهما في رحلتهما إلى طبيبة الطيبة وساروا على بركة الله ، وعين الله ترعاهم .

 وفي طريق الركب الميمون مروا بخيمة أم معبد ، فسألوها طعاما أو شرابا فلم يصيبوا عندها شيئا ، وكانت بكسر خيمتها شاة هزيلة خلفتها الغنم لهزالها ، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( هل بها من لبن ؟ ) فقالت : هي أجهد من ذلك ،  فقال  :   ( هل تأذنين لي أن أحلبها ؟ ) فقالت : بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حليبا فأحلبها ، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  فجاءت فمسح بيده ضرعها ، وسمى الله تعالى ودعا لها في شأنها فتفاجت ودرت واجترت ، ودعا بإناء يروي الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه لبنها ، ثم سقاها ( أم معبد ) حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، وشرب آخرهم ، وكيف لا وهو القائل :   ( ساقي القوم آخرهم شربا ) ثم بايع أم معبد على الإسلام وارتحل ، وارتحل معه رفقته .

 وواصل الركب الميمون سيره يتقدمه الخريت بن الديل حتى وصلوا إلى قباء ديار بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ، وكان عزبا فينزل عليه الأعزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ، حتى قيل لبيته : بيت العزاب ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف بالسنح ، ولحق علي الركب بعد أن أدى ودائع الناس ، ووصل قباء بعد ثلاثة أيام من وصول الحبيب صلى الله عليه وسلم إليها وقد تفطرت قدماه حتى إنه لما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل إنه لا يقدر على المشي فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقه وبكى رحمه به ، وتفل في كفيه الطاهرتين ومسح بهما رجلي علي فشفي في الحال ، ولم يشك قدميه حتى قتل رضي الله عنه ، ونزل علي على امرأة لا زوج لها فرأى رجلا يأتيها بالليل فارتاب في أمرها فسألها فقالت: الذي يأتيني هو سهل بن حنيف إنه رأني امرأة لا زوج لي فهو يكسر أصنام قومه ويحملها إلى ويقول : احتطبي بها ، فكان علي يذكر هذا لسهل بن حنيف بعد موته رضي الله عنهم أجمعين .

إن أول عمل إصلاحي خيري بناء قام به النبي صلى الله عليه وسلم بقباء هو بناؤه مسجد قباء في الفترة التي أقامها بين سكانها وهم بنو عمرو بن عوف بن مالك ، والتي لم تتجاوز أسبوعا واحدا .

 وهنا بقباء أتى سلمان الفارسي الذي طالما انتظر مجيئه جاءه من المدينة بكيس من التمر وقال : هذا صدقة تصدقت بها عليكم وهو يريد بذلك اختباره ، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( إنا لا نأكل الصدقة ) وأمره أن يتصدق بها على غيره ، وانصرف سلمان وعاد في اليوم الثاني ومعه تمر آخر وقدمه للرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذه هدية قدمتها لك ، فقبلها صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير، وهنا أعلن سلمان إسلامه ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وسبب عمل سلمان هذا أنه علم من الكتب السابقة أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم من نعوته وصفاته أنه يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة .

ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتب الله له من أيام في قباء بديار بني عمرو بن عوف سار إلى المدينة وفي طريقه أدركته صلاة الظهر بديار بني سالم بن عوف وكان يوم جمعة ، فصلى بهم الجمعة وخطبهم في مسجدهم ببطن الوادي   ( دانونا ) فكانت أول جمعة صليت في الإسلام .

 وركب الحبيب صلى الله عليه وسلم راحلته فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة في رجال من بني سالم وقالوا له : يا رسول الله أقم عندنا حيث العدد والعدة والمنعة ، وهم ممسكون بخطام ناقته لينيخوها فقال لهم : ( دعوها فإنها مأمورة ) ، وواصل سيره إلى طيبة طابت مغانيها ، وسلام على ساكنيها .