أول هذه الأمور : قال عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .

 وثاني هذه الأمور : أن العباس بن عبادة العوفي هو الوحيد الذي ظفر بلقب مهاجر أنصاري فالأصحاب كلهم إما مهاجر أو أنصاري إلا العباس بن عبادة العوفي ، فإنه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام معه بها ، فكان يقال له : مهاجري أنصاري استشهد بأحد رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه .

 وثالث هذه الأمور : لما تمت بيعة العقبة الثانية وقد تضمنت نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لهم : ( إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها ) فخرجوا أرسالا أي جماعة إثر جماعة ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر إذن ربه تعالى له في الهجرة إلى المدينة .

 ورابع هذه الأمور : أن أول مهاجر من قريش من بني مخزوم إلى المدينة كان أبا سلمة بن عبد الأسد بن هلال ، واسمه عبدالله رضي الله عنه وأرضاه .

 وخامس هذه الأمور : أن المهاجرين جميعهم ما منهم أحد إلا نزل بيت أحد الأنصار ، فأي كرم أعظم من هذا ؟ وأي إخاء أصدق من هذا الإخاء ؟ وأي إسلام أحسن من هذا ؟ وأي صبر أقوى من هذا ؟ وأي إيمان أثمر من هذا ؟
 وسادس هذه الأمور : هو هجرة صهيب أنه حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له كفار قريش : أتيتنا صعلوكا ، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ، والله لا يكون ذلك ، فقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ؟ قالوا : نعم ، قال : إني جعلت لكم مالي ودلهم على مكانه وهاجر فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بادره قائلا: ( ربح البيع صهيب ، ربح البيع صهيب ) .

 وسابع هذه الأمور : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل مع أهل بيعة العقبة الأولى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ، فكان أول من لقب بالمقرئ ، واستشهد بأحد فهو ضجيع سيد الشهداء حمزة في ساحة أحد يزأران مع بعضهما بعضا ، فرضي الله عنهما وأرضاهما وجعل الجنة مأواهما .

 وثامن هذه الأمور : هو أن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت قائد أبي لما ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الآذان صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فسألته عن ذلك قائلا : يا أبت ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبي أمامه ؟ قال : يا بني إنه كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات ، قلت له: وكم كنتم يؤمئذ ؟ قال : أربعون رجلا .

 وتاسع هذه الأمور : هو أنه لم ا عاد أهل بيعة العقبة إلى المدينة وأظهروا الإسلام فيها كان من بينهم معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن جبل ، وكان لعمرو بن الجموح والد معاذ صنم قد اتخذه في داره ، شأنه شأن سادات وأشراف المدينة ، وكان الصنم من خشب ، فكان يعبده بدعائه وتعظيمه فيجيئ معاذ ولده مع معاذ بن جبل في فتيان ممن أسملوا بالليل المظلم فيأخذون الصنم ويلقونه في حفرة لبني سلمة يلقون فيها العذرة والأوساخ منكسا رأسه ، فيصبح عمرو فيطلبه فلا يجده فيبحث عنه فيجده في تلك الحفرة منكسا ملطخا فيأخذه فيطهره ويطيبه وينصبه في داره ، فيأتي الفتيان المسلمون ليلا فيأخذونه ويفعلون به ما فعلوا به الليلة السابقة ، وهكذا فيأتي به عمرو ويقول : لو أعلم من فعل هذا بك لأضربنه .

 ولما أكثروا به ذلك جاء به يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال : إني والله لا أعلم من يصنع بك ما ترى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، فهذا السيف معك ، فلما أمسى عمرو جاء الفتيان فعدوا عليه ، وأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به في حبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس ، ثم غدا عمرو يطلبه فلم يجده في مكانه الذي تركه فيه فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه وأبصر شأنه تبين له عدم صلاحيته للألوهية ، وكلمه بعض رجال قومه في الإسلام فأسلم .