إنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعرض دعوته على رجال ثقيف وعاد يائسا من خيرهم دخل مكة في جوار المطعم بن عدي إذ طلب إليه ذلك فوافق عليه فرآه أبو جهل فقال مستهزئا : هذا نبيكم يا بني عبد مناف ، فرد عليه عتبة بن ربيعة قائلا : وما ينكر أن يكون منا نبي وملك ؟ وسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعتبة : ( أما أنت فما حميت الله ، وإنما حميت لنفسك ، وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا ، وتبكي كثيرا ، وأما أنتم يا معشر قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون ) .

 وبقي صلى الله عليه وسلم بمكة وقد قل ناصره ، واشتدت عداوة القوم له ، ولم يكن بمكة من المؤمنين غير المستضعفين ففكر صلى الله عليه وسلم في الخروج بدعوته خارج مكة ، فأخذ يعرض نفسه طالبا نصرته حتى يبلغ دعوة ربه ، وذلك في المواسم والأسواق والمناسبات السنوية وغيرها ، فأتى قبيلة كندة فدعاهم وطلب نصرته فأبوا عليه ، وأتى بطنا من كلب يقال لهم : بنو عبدالله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نصرته ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم ، ثم أتي بني حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب ، فلم يكن أحد أسوأ منهم ردا وأقبحه ، وأتى بني عامر ، فعرض عليهم نصرته والإيمان بدعوته فرفضوا ، وقال له أحدهم : أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ ، فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( الأمر إلى الله يضعه حيث شاء ) فقال العامري : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك .

 ولما رجع بنو عامر إلى ديارهم أخبروا شيخا كبيرا من رجالاتهم بالخبر ، فوضع يده على رأسه وقال : يا بني عامر هل من تلاف ؟ والذي نفسي بيده ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق وأين كان رأيكم عنه ؟
 ولم يزل صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه ودعوته على كل قادم له اسم وشرف عله يجد من ينصره على دعوته ، وكان كلما أتى قبيلة يدعوها تبعه عمه أبو لهب ، فإذا فرغ من كلامه يقول لهم : يا بني فلان إنما يدعوكم هذا إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من الضلالة والبدعة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له .

 وما زال الحبيب صلى الله عليه وسلم يعرض دعوته ونصرته على كل ذي اسم وشرف  ، وقدم مكة سويد بن الصامت الملقب بالكامل لقوته وجلده وهو أوسي من أهل المدينة قدما حاجا ومعتمرا فتصدى له الرسول صلى الله عليه وسلم ، فدعاه إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن ، فقال : إن هذا لحسن ، ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج في حرب بعاث الدائرة بين قبيلتي الأوس والخزرج فكان قومه يقولون قتل الكامل وهو مسلم .

 وآخر من قدوم أبي الحيسر أنس بن رافع مكة مع فتية من بني عبد الأشهل من بينهم أياس بن معاذ ، قدموا يلتمسون حلفا من قريش على قومهم من الخزرج فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم : ( هل لكم فيما هو خير لكم منا جئتم له ؟ ) ودعاهم إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن ، فقال إياس وكان غلاما حدثا : هذا والله خير مما جئنا له ، فضرب وجهه أبو الحيسر بحفنة من البطحاء وقال : دعنا منك ، فلقد جئنا لغير هذا ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلبث أن هلك إياس فسمعه قومه يهلل ويكبر حتى مات ، فما يشكون أنه مات مسلما .

 بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه طالبا النصرة على القبائل الوافدة إلى الحج والعمرة وإذا برهط من الخزرج عند القبة فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإسلام ، وذكرهم هذا بما تقوله اليهود لهم بالمدينة من أن نبيا يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وثمود ، فقال بعضهم لبعض : هذا والله النبي الذي توعدكم به اليهود ، فأجابوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وصدقوا به ، وقالوا له : إن بين قومنا شرا وعسى الله أن يجمعهم بك ، فإن اجتمعوا عليك فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا عنه ، وكانوا سبعة نفر .

 فلما قدموا المدينة ذكروا لأهلها النبي صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم وانتشر خبره ، حتى كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة فبايعوه بيعة النساء .

 وكانت هذه بيعة العقبة الأولى ، وكان أهل هذه البيعة أسعد بن زرارة ، وعوف ومعاذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء ، ورافع بن مالك بن عجلان ، وعبادة بن الصامت وغيرهم من الخزرج ، ومن الأوس : أبو الهيثم بن التيهان ، وهويم بن ساعدة ، فانصرفوا بعد البيعة ، وبعث معهم النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، فنزل مصعب بالمدينة على أسعد بن زرارة ، وأنزله أسعد في دار بني ظفر، واجتمع عليه رجال ممن أسملوا فسمع به سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما سيدا بني عبد الأشهل ، وكانا مشركين فقال سعد لأسيد : انطلق إلى هذين اللذين أتيا دارنا فأنههما - يعني بالرجلين مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة ، فإنه لولا أسعد بن زرارة وهو ابن خالتي لكفيتك ذلك ، فأخذ أسيد حربته ثم أقبل عليهما فقال : ما جاء بكما تسفهان ضعافنا اعتزلا عنا ، فقال له مصعب : أوتجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ فقال : أنصفت ، ثم جلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام ، فقال : ما أحسن هذا وأجله ؟ كيف تصنعون إذا دخلتم هذا الدين ؟ قالا : تغتسل وتطهر ثيابك ، ثم تشهد شهادة الحق لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، ثم تصلي ركعتين ، ففعل ذلك وأسلم ، ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه ، وسأرسله إليكم وهو سعد بن معاذ .

 وانصرف أسيد إلى سعد وقومه ، فلما نظر إليه سعد قال : أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، ثم قال لأسيد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين ووالله ما رأيت بهما بأسا ، وذهب سعد بن معاذ إلى أسعد ومصعب فدعاه مصعب إلى الإسلام فأسلم على نحو ما أسلم أسيد ، ثم ذهب إلى دار بني عبد الأشهل فسألهم قائلا : كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا ، قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة .

 ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة وما زال يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من بني أمية بن زيد ووائل وواقف فإنهم أطاعوا أبا قيس بن الأسلت فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل بالمدينة ، وحتى مضت بدر وأحد والخندق ثم دخلوا في الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم .

 أنه لما فشا الإسلام في المدينة بين الأنصار اجتمع جماعة من أهل المدينة وقرروا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ويجتمعوا معه سرا ويدرسوا معه عن كثب موضوع هجرته إليهم ، وانتهوا إلى  مكة واتصلوا بالحبيب صلى الله عليه وسلم سرا وواعدوه وسط ليالي التشريق فوافوه ، بالعقبة ليلا وكانوا سبعين رجلا ومعهم امرأتان هما نسيبة بنت كعب أم عمارة ، وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة ، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس رضي الله عنه ، وهو يومئذ كافر لم يؤمن ، وإنما حضر ليستوثق لابن أخيه من كل يعده به الأنصار ويعطونه له من أنفسهم ، فكان أول من تكلم العباس فقال : يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث علمتم في عز ومنعة ، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة .

 فقال الأنصار : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت ، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام ، ثم قال : ( تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) .

 فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم ، والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحدقة ورثناها كابرا عن كابر وهنا اعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( بل الدم الدم ، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ) ، وهنا التفت إليهم العباس بن عبادة الأنصاري وقال : يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه ، فهو والله خير الدنيا والآخرة ، فأجابوه قائلين : إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ، والتفتوا إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وقالوا : فما لنا بذلك يا رسول الله ؟ فقال ( الجنة ) ، فقالوا : ابسط يديك نبايعك ، فبسط يده فبايعوه على خلاف بيعة النساء الأولى إذ بايعوه على حرب الأحمر والأسود ، وعين منهم صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ، فالخزرجيون هم : أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وعبدالله بن رواحة ، ورافع بن مالك ، والبراء بن معرور ، وعبدالله بن عمرو بن حرام ، وعبادة بن الصامت ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو بن خنيس .

 والأوسيون هم : أسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة ، ورفاعة بن عبد المنذر .

 وبهذا كانت بيعة العقبة الثانية ، وصرخ الشيطان من أعلى العقبة قائلا : يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذا أزب العقبة ، أتسمع أي عدو الله ، أما والله لأتفرغن لك ) ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( ارجعوا إلى رحالكم ) فقال العباس بن عبادة : والذي بعثك بالحق نبيا لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال صلى الله عليه وسلم : ( لم نؤمر بذلك ) .

 وسمعت قريش بهذه البيعة المباركة فلاحقت أهلها فلم تظفر إلا بسعد بن عبادة فعذبته ، ثم نجاه الله تعالى فلحق بالمدينة ، واشتد لذلك غضب قريش وعظم أذاها للمؤمنين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة إلى المدينة .
 فكان أول من قدم المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثم هاجر عامر بن ربيعة مع امرأته ليلى ، ثم عبدالله بن جحش ، وتتابع الأصحاب فهاجر عمر بن الخطاب وعياش بن ربيعة ، وغيرهم .