إنه في السنة العاشرة من سني البعثة النبوية كان الإسراء والمعراج ، كان مكافأة ربانية على ما لاقاه الحبيب صلى الله عليه وسلم من آلام وأحزان ، إذ كان بعد حصار دام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب .

 وما لاقى أثناءه من جوع وحرمان ، إنه كان بعد فقد الناصر الحميم ، وفقد خديجة أم المؤمنين أنه كان بعد خيبة الأمل في ثقيف ، وما ناله من سفهائها وصبيانها وعبيدها .

 بعد هذه الآلام كافأ الحبيب حبيبه فرفعه إليه وقربه وأدناه ، وخلع عليه من حلل الرضا ما أنساه كل ما كان قد لاقاه ، من حزن وألم ونصب وتعب ، وما قد يلاقيه في سبيل إبلاغ رسالته ونشر دعوته ، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما ذكر الله الذاكرون ، وما غفل عن ذكره الغافلون .

 لقد كان الإسراء من بيت أم هانئ حيث أخرج الحبيب منه إلى المسجد الحرام إلى ما بين الحجر والحطيم حيث أجريت له عملية شق الصدر فأخرج القلب وغسل بماء زمزم المبارك ، ثم أتي بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة فحشي القلب بذلك الإيمان وتلك الحكمة ثم أعيد القلب كما كان ، ثم أتي بدابة وهي البراق ، فركبه إلى بيت المقدس ، فربطه في حلقة باب المسجد ، ودخل المسجد فصلى فيه ، ثم وضع له معراج ممتد ما بين السماء والأرض ، فعرج بصحبة أخيه في الرسالة جبريل عليه السلام ، فانتهيا إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل ، فسئل عمن معه ؟ فأخبر أنه محمد صلى الله عليه وسلم وقد أذن له ، ففتح لهما .

 وهكذا سماء بعد سماء حتى انتهيا إلى السماء السابعة ، وقد لاقاهما في كل سماء مقربوها من الملائكة والأنبياء ، فلقيا في الأولى آدم عليه السلام وفي الثانية يحيى وعيسى عليهما السلام وهما ابنا الخالة ، وفي الثالثة يوسف عليه السلام ، وفي الرابعة إدريس عليه السلام ، وفي الخامسة هارون عليه السلام وفي السادسة موسى عليه السلام ، وفي السابعة إبراهيم عليه السلام .

 وكان صلى الله عليه وسلم يلقى في كل سماء من الترحيب ما تقر به عينه وينشرح له صدره ، وتطيب به نفسه ، وهو لذلك أهل ، ثم رفعت له سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة ، ونبقها كقلال هجر ، وغشيها عند ذلك أمور عظيمة ، وألوان متعددة باهرة ، وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة ، وفراش من ذهب ، وغشيها من نور الرب جل جلاله ما غشيها ورأى صلى الله عليه وسلم في هذا المكان جبريل عليه السلام وله ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض  إذ ثبت ينظر إلى المكان الذي حدد له النظر إليه فلم يتجاوزه ، وهذا غاية الأدب منه صلى الله عليه وسلم .

 كما رفع له البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ن ثم أوتي بإناه من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذ اللبن ، فقيل له : هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ، ثم رفع وأدني حتى انتهى إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام ، وهنا قربه ربه وناجاه ، وإن لم يره ، لأنه نور كيف يراه .

 وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس ، ولما رجع عائدا مر بموسى عليه السلام فسأله فأخبره فطلب إليه أن يعود إلى ربه يسأله التخفيف ، لأن موسى جرب بني إسرائيل ولم يجد لهم عزما فخشي أن يحصل لأمة محمد ما حصل لأمته ، فعاد الحبيب إلى حبيبه جل جلاله وعظم سلطانه يسأله التخفيف ، إذ فرضها أولا خمسين صلاة ، فما زال يراجعه سائلا التخفيف حتى كانت خمسا بدل الخمسين .

 ونزل الحبيب صلى الله عليه وسلم صحبة جبريل عليه السلام إلى بيت المقدس ، فنزلت الأنبياء يشيعون الحبيب صلى الله عليه وسلم فصلى بهم صلاة الصبح بالمسجد الأقصى ، وركب البراق حيث تركه مربوطا بحلقة الباب ، وعاد إلى مكة في صبيحة تلك الليلة ، وقد ذهب عنه صلى الله عليه وسلم كل كرب وغم وحزن وهم ، وعاد أوفر ما يكون ثقة وطمأنينة ، وتلك ثمرة هذه الرحلة المباركة إلى الملكوت الأعلى ، إذ رأى فيها بأم عينيه ما كان أخبر وتلقاه وحيا من ربه فصدق الخبر الخبر ، وليس من رأى كمن سمع ، والحمد الله ذي الإنعام والجلال والإكرام .

 إنه صلى الله عليه وسلم قد عاد إلى المسجد الحرام وجلس فيه وهو لا يدري بما تقابل قريش هذا النبأ العظيم ، والحدث الجلل ، فما زال جالسا حتى مر به أبو جهل فسأله قائلا مستهزئا : هل استفدت الليلة شيئا ؟ فأجاب المصطفى : نعم أسري بي الليلة إلى بيت المقدس ) قال أبو جهل : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، فقال أبو جهل : أخبر قومك بذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا ، فأقبلوا فحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فمن مصدق ، ومن مكذب ، مصفق واضع يده على رأسه استعظاما للخبر وإنكارا له ، وتعجبا منه .

 ولشدة ما أثار الخبر من سخرية وتعجب ارتد بعض من آمن ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم ولم تخالط بشاشته قلوبهم .
 ومشى رجال من المشركين المستهزئين إلى أبي بكر الصديق ، وقالوا له : إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ، فقال الصديق : إن كان قال هذا فقد صدق ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة فلقب أبو بكر بالصديق من يؤمئذ .

 واجتمع رجال من قريش وأرادوا امتحان النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : انعت لنا المسجد الأقصى فأخذ ينعته لهم ، فالتبس عليه فجيء له بالمسجد ينظر إليه وينعته لهم ، وعندئذ قالوا له : أخبرنا عن عيرنا القادمة من الشام ، فقال : قد مررت على عير بني فلان بالروحاء ، وقد أضلوا بعيرا لهم ، وهم في طلبه فسلوهم عن ذلك ، ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان ورأيت راكبا قعودا بذي مر فنفر بكره منه فسقط فلان فأنكسرت يده فسلوه ، ومررت بعيركم بالتنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان تطلع عليكم الشمس ، فخرجوا إلى الثنية فجلسوا ينتطرون طلوع الشمس ، ليكذبوه وفجأة قال قائل : هذه الشمس قد طلعت فقال آخر : والله هذه العير قد طلعت يقدمها بعير أورق كما قال ، ومع هذا فلم يؤمنوا ، وقالوا : إن هذا إلا سحر مبين