من ديار الكفر والطغيان ، من أرض الشرك والظلم للإنسان خرج مهاجرا إبراهيم مع ابن أخيه هاران لوط عليه وعلى إبراهيم وآله السلام .
 واتخذ إبراهيم الأرض المباركة مهاجرا أرض الشام التي باركها الله للأنام ، وحل إبراهيم يوما بديار مصر وهو يحمل رسالة التوحيد فكان أن أكرم الله سارة زوج إبراهيم بعطية هي نعم الهدية إنها هاجر المصرية أم إسماعيل وجدة العدنانيين أجمعين .
 ووهبت سارة الكريمة جاريتها إبراهيم فتسراها فأنجبت إسماعيل ، ويسوق الله أقدارا إلى أقدار ، فتضيق بسارة الدار حيث آلمها أن تلد جاريتها غلاما زكيا ، وتحرمه هي .
 وبإذن من الله يخرج إبراهيم بجاريته أم ولده مستخفيا مستحيا فتعفي هاجر آثار أقدامها مبالغة في إخفاء أمرها .

 إنه بالواد الأمين ، المحاط بجبال فاران من أرض طيبة مباركة ، وتحت دوحة عظيمة ، وضع إبراهيم هاجر وطفلها تاركا لها جرابا فيه طعام ، وسقاء فيه ماء وقفل راجعا ، ونظرت إليه هاجر والدهشة تأخذها والحيرة تنتابها ، ثم تقول : إلى من تكلنا يا إبراهيم ؟ وأردفت تساؤلها قائلة : آلله أمرك بهذا يا إبراهيم ؟ فأجابها السيد الرحيم قائلا : نعم ، فردت عليه وهي قريرة العين : إذا فأذهب ، فإن الله لا يضيعنا ، وذهب إبراهيم عائدا إلى أرض الشام .

 إن هاجر قد نفد ماء سقايتها وعطشت وعطش إسماعيل طفلها ، فدارت تطلب الماء وحارت ، وكبدها كاد يرفض وهي ترى طفلها يتلوى من شدة العطش ونظرت فإذا أقرب مكان عال إليها هو جبل الصفا فأتته ورقيته ونظرت يمينا وشمالا فلم تر ماء ولا أحدا ونظرت أمامها فإذا أقرب مكان عال إليها جبل المروة فهبت ذاهبة إليه .

 فأنتهت إلى بطن الوادي فأسرعت وخبت فيه حتى اجتازته ، وواصلت سعيها حتى انتهت إلى جبل المروة فرقيته ، ونظرت يمينا وشمالا فلم تر شيئا فهبطت عائدة إلى الصفا حتى اكتمل سعيها بين الصفا والمروة وهي تطلب الماء لولدها ولها سبع مرات .
 وعندها وهي على أحد الجبلين تسمع صوتا غريبا فتقول في لهفة : أسمعت أسمعت فهل من غياث ؟
 وترمي ببصرها نحو ولدها فإذا برجل قائم على رأس الطفل تحت الدوحة وما إن دنت منه حتى قال بعقبه هكذا يرفس الأرض وإذا بعين ماء تفور وكم كانت فرحة هاجر بسقيا إسماعيل ، وأخذت تزمها بالتراب والحجارة تمنع سيلانها على وجه الأرض خشية أن تنضب ، ولم تركتها فلم تحطها بما أحاطتها به من تراب وحجارة لكانت عينا معينا كما أخبر بذلك حفيدها السيد الجليل محمد إمام المرسلين وسيد جميع العالمين ، عليه أفضل الصلاة وأزكى وأبرك التحية والتسليم .

 لما أكرم الله تعالى هاجر أم إسماعيل بماء زمزم مرت رفقة من قبيلة جرهم قريبا من وادي مكة فبعثوا من يرتاد لهم ماء ينزلون عليه فرأى رائدهم طائرا يحوم فعلم أن هناك ماء فأتى المكان وإذا فيه هاجر وولدها إسماعيل وهما إلى جنب ماء زمزم فعاد الرائد فأخبر رفقته فأتوا الماء واستأذنوا هاجر في النزول معها فأذنت لهم ، واشترطت أن لا يكون لهم حق في الماء فقبلوا الشرط ونزلوا ، فكانت هذه بداية عمارة مكة في العهد الإبراهيمي السعيد .

 وعمرت مكة بهاجر أم إسماعيل أولا ثم بنزول الرفقة الجرهمية ثانيا .
 وكبر إسماعيل ، وأصبح أهلا لأن يسعى ويعمل ولو برعي الماشية وصيد الظباء والطيور ، وجاء إبراهيم يتعهد تركته إسماعيل ابنه وهاجر أم ولده عليهم جميعا السلام ، وأوحى إليه الرب تعالى مناما ورؤيا الأنبياء وحي ، أن اذبح إسماعيل قربانا لنا ، واستشار إبراهيم إسماعيل ، وأراد إبراهيم تنفيذ أمر ربه فخرج بإسماعيل ولده إلى منى ليذبحه قربانا لربه حيث أمره ، ولما تله للجبين والمدية بيده وقبل الإجهاز عليه ناده ربه ، وفداه بذبح عظيم أي بكبش أملح كبير ، فترك الولد وذبح الكبش ، وفاز بالرضا الولد والوالد .

 وجاء الخليل مرة أخرى يتعهد تركته ، وكان إسماعيل عليه السلام قد كبر وبلغ وتزوج امرأة جرهمية من الرفقة التي جاورتهم بمكة ، ومن لحق بهم من قومهم ، فدخل إبراهيم وسلم على امرأة ابنه ، وكانت هاجر قد توفيت فقال : أين إسماعيل ؟ قالت : ذهب يصيد ، وسألها عن حالها مع زوجها فلم تذكر خيرا ، فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له : يغير عتبة بابه وجاء إسماعيل من الصيد وأخبرته بالخبر ، فقال : ذاك أبي وقد أمرني بطلاقك ، فألتحقي فأهلك .

 ومضى زمن يطول أو يقصر وبدا لإبراهيم أ يتعهد تركته ن فجاء مكة ودخل حجر إسماعيل فسلم وقال : إين إسماعيل ؟ وسألها عن حالهم فذكرت خيرا ، فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له : ثبت عتبة بابك .
 وعاد إبراهيم إلى الشام ، ومضت الأيام وقد تطول أو تقصر وبدا لإبراهيم أن يطلع على تركته ، فجاء مكة فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له تحت دوحة عظيمة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد فقال إبراهيم : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر ، فقال إسماعيل : فأصنع ما أمرك ربك ، قال إبراهيم : وتعينني ؟ قال : وأعينك ، قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها .

 ولما وافق إسماعيل على إعانة والده على بناء البيت شرع إبراهيم في البناء ، وقد هداه ربه تعالى إلى مكانه الذي كان به رفعه عام الطوفان ، أو هدمه بفعل السيول الجارفة ، وعدم وجود من يقوم ببنائه ، فأخذ إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ولما ارتفع البناء جاء إسماعيل بحجر كبير مرتفع فصار إبراهيم يعلو فوقه ويواصل رفع البناء حتى فرغ ، وبقي الحجر تحت جدار البيت وقد ارتسمت عليه قدما إبراهيم وهو صلب ليس برطب لتكون آية للعالمين .

 ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله تبارك وتعالى أن يؤذن في الناس بالحج ، فطلع إبراهيم عليه السلام على جبل أبي قبيس وهو من أقرب الجبال إليه ، ونادي باسم الله تعالى قائلا : أيها الناس إن ربكم بنى لكم بيتا فحجوه ، والتفت بندائه يمينا وشمالا كما يلتفت المؤذن اليوم في أذانه للصلاة ، فأسمع الله تعالى نداءه كل نسمة خلقها الله تعالى فمن لبت حجت ، ومن لم تلب لم تحج أبدا ، ومعنى لبت : قالت : لبيك اللهم لبيك أي أجبت طلبك مرة بعد مرة .

 لقد عاش إسماعيل بجوار البيت العتيق وفي مكة أصهاره من قبيلة جرهم اليمانية القحطانية ، وقد نبى فيهم ، وأرسل إليهم وإلى كافة من بالحجاز من العماليق ، وأنجب إسماعيل أولادا بلغوا اثني عشر ولدا منهم نابت وهو أكبرهم وهو حلقة السلسلة الذهبية المحمدية ، فنابت من أولاد إسماعيل الاثني عشر ، هو الذي اختير لأن يكون من آباء دعوة إبراهيم وإسماعيل ، واختفت حلقات السلسة الذهبية فيما بين نابت وعدنان لظروف غامضة غير معروفة وكان عدد الآباء ما بين نابت بن إسماعيل وعدنان يقدر بستة آباء ، والجميع عاشوا بالحرم المكي ولم يخرجوا منه ، ومع هذا لم تضبط أسماء هؤلاء الآباء الستة وصاحب النسب الزكي الشريف حبيب الأحباء وسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .